مؤسسة آل البيت ( ع )

113

مجلة تراثنا

السياسية والاجتماعية لم تتسع لصناعة الكتابة التي إنما تنشأ بنشوء الجماعة المنظمة ، وتنمو بنمو القوى المفكرة ، وتعظم بعظم الحاجة إليها ، بيد أن سكان الحواضر من أهل اليمن اصطنعوا الكتابة لما هم عليه من تقدم العمران ، ويعرف خطهم بالمسند الحميري ، حروفه منفصلة ، وفيه شبه بالكتابة الحبشية ، ومنه تفرع الخط الكوفي ، وترك اليمانيون من آثارهم نقوشا حجرية ، يرجع أبعدها عهدا إلى المائة الثامنة قبل المسيح ( 1 ) ، كشف عنها المنقبون الأوروبيون من إنكليز وألمان وفرنسيين في النصف الأول من القرن التاسع عشر ، وجعلت أساسا للبحث التاريخي في مدينتي سبأ وحمير . ولم يحرم عرب الشمال فن الكتابة - على شيوع الأمية فيهم - فإن النصارى في العراق والجزيرة علموا جيرانهم الخط المعروف بالجزم ( 2 ) ، وله صلة بالآرامي النبطي ، فكانت الكتابة العربية في الأنبار والحيرة وما جاورهما . وكذلك النصارى الأنباط في فلسطين الثالثة علموا من جاورهم من عرب الشام الخط النسخي الجليل المتفرع من الجزم . وتعلم بعض القرشيين خط الجزم من نصارى الحيرة في رحلاتهم التجارية إلى العراق ، فحملوه إلى مكة ، فظهرت فيهم الكتابة قبل الإسلام ، وظهرت أيضا في يثرب ، ولليهود يد في ذلك . ولبثت الكتابة قاصرة في الجاهلية لا يتعلمها من العرب إلا أفراد من أهل الحواضر ، وإذا تعلموها لا يبلغون فيها حد الإحكام والإتقان ، ولا

--> ( 1 ) تاريخ الأدب العربي - لنيكلسون - : 1881 . ( الترجمة العربية لحسن حبشي في مجلة الرسالة سنة 1936 ) . ( 2 ) سمى العرب خطهم بالجزم لأنه جزم من الآرامي النبطي ، أي : اقتطع ، لا كما توهم مؤرخو العرب أنه جزم من المسند .