مؤسسة آل البيت ( ع )

38

مجلة تراثنا

- التي تدنت بها القيم والأخلاق - بمعارف الإسلام العظيم ومفاهيمه الراقية ، وتمكن من تحويل تلك المفاهيم إلى غذاء روحي يومي ، فنقلها من الواقع النظري إلى حيز التطبيق الفعلي ابتداء بمدرسته العظيمة التي كانت تضم ما يزيد على أربعة آلاف رجل وكلهم من تلامذته ورواد مدرسته ( عليه السلام ) ، فكانوا مشاعل نور أضاءت لكل ذي عينين من أفراد الأمة ما أظلم عليه . ونتيجة لهذا الجهاد العلمي المتواصل فقد اكتسب الواقع الثقافي الإسلامي بفضل مدرسته المباركة مناعة قوية ضد وباء الانحراف . لقد استمرت مدرسة الإمام الصادق ( عليه السلام ) في أداء رسالتها ، يغذيها الأئمة من ولده ( عليهم السلام ) من بعده بفيض من علم النبوة ونور الولاية ، ولم يخب ضوؤها بتعاقب الزمان وتجدد الملوان ، ويشهد لذلك : أنك واجد في كل عصر قطبا من أقطابها يشار له بالبنان ، وتشد إليه الرحال من كل فج عميق . وما الشيخ الطوسي ( رحمه الله ) إلا واحد من أولئك الأقطاب الذين كان دورهم مميزا فيها على صعيد العلوم الإسلامية بأسرها . وهو كما يقول أحد أبرز علماء العصر واصفا جانبا من دوره العظيم : " إن الشيخ الطوسي لم يكن وجوده ودوره على الخط العلمي تعبيرا عن مجرد إضافة عددية إلى العلماء الذين سبقوه ، وإنما كان منطلق رحلة جديدة من تطور الفكر الفقهي والأصولي في الإطار الشيعي . وبالرغم من أن طاقات علمية تدريجية - مهدت لهذا المنطلق - اندمجت فيه من قبيل العطاءات العلمية التي تعاقبت من ابن أبي عقيل ، وابن الجنيد ، والشيخ المفيد ، والسيد المرتضى قدس الله أرواحهم ، فإن نبوغ الشيخ الطوسي هو الذي استطاع أن يصب كل تلك الطاقات في بناء علمي واحد ، ويضيف إليها من عطائه وإبداعه ما هيأ للعلم أسباب الانتقال إلى مرحلة جديدة من