مؤسسة آل البيت ( ع )

426

مجلة تراثنا

بالمشقة ، ونظر إلى الآخرة فعلم أنها لا تنال إلا بالمشقة ، فطلب بالمشقة أبقاهما ] ( 1 ) . يا هشام ! إن العقلاء زهدوا في الدنيا ، ورغبوا في الآخرة ، لأنهم علموا أن الدنيا طالبة ومطلوبة ، والآخرة طالبة ومطلوبة ، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه ، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت ، فيفسد عليه دنياه وآخرته ( 2 ) . يا هشام ! من أراد الغنى بلا مال ، وراحة القلب من الحسد ، والسلامة في الدين ، فليتضرع إلى الله عز وجل في مسألته بأن يكمل عقله ، فمن عقل قنع بما يكفيه ، ومن قنع بما يكفيه استغنى ، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا . يا هشام ! إن الله جل وعز حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا : * ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ) * ( 3 ) حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها

--> ( 1 ) ما بين المعقوفتين أثبتناه من الكافي . ( 2 ) " إن الدنيا طالبة " طالبية الدنيا عبارة عن إيصالها الرزق المقدر إلى من هو فيها ليكونوا فيها إلى الأجل المقرر ، ومطلوبيتها عبارة عن سعي أبنائها لها ليكونوا على أحسن أحوالها ، وطالبية الآخرة عبارة عن بلوغ الأجل وحلول الموت لمن هو في الدنيا ليكونوا فيها ، ومطلوبيتها عبارة عن سعي أبنائها لها ليكونوا على أحسن أحوالها . ولا يخفى أن الدنيا طالبة بالمعنى المذكور ، لأن الرزق فيها مقدر مضمون يصل إلى الإنسان لا محالة ، طلبه أو لا * ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) * [ سورة هود 11 : 6 ] . وإن الآخرة طالبة أيضا ، لأن الأجل مقدر كالرزق مكتوب * ( قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا ) * [ سورة الأحزاب 33 : 16 ] . ( 3 ) سورة آل عمران 3 : 8 . * ( لا تزغ ) * الزيع : الميل والعدول عن الحق .