الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

29

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

سبيل المحافظة على الذات وحفظ الآخرين وإصلاحهم أيضا . وحين نجد - في التعاليم الإسلامية - أن اليأس من رحمة الله وثوابه من أعظم الذنوب والكبائر ، فقد يتعجب بعض الجهال : كيف يكون اليأس من رحمة الله من الكبائر والى هذه الدرجة من الأهمية ، حتى أنه أشد من سائر الذنوب الأخرى ، فإن حكمته و " فلسفته " في الحقيقة هو ما أشرنا إليه آنفا ، لأن العاصي الآيس من رحمة الله لا يرى شيئا ينقذه ويخلصه من عذاب الله ، فلا يفكر بإصلاح الخلل ، أو - يكف عن الذنب على الأقل لأنه يقول في نفسه : أنا الغريق فهل أخشى من البلل ؟ والنهاية الحتمية جهنم ، وقد اشتريتها ، فما عسى أن أفعل ؟ . . . وما إلى ذلك . إلا أنه حين تنفتح له نافذة الأمل ، فإنه سيرجو عفو ربه ، ويتجه نحو تغيير نفسه وحاله ، ويحصل له منعطف جديد في حياته يدعوه إلى التوقف عن مواصلة الذنوب والعودة نحو الطهارة والنقاء والإصلاح . ومن هنا يمكننا أن نعتبر أن الأمل عامل تربوي مهم ومؤثر في المنحرفين أو الفاسدين ، كما أن الصالحين لا يستطيعون أن يواصلوا مسيرهم في المحيط الفاسد إذا لم يكن لهم أمل بالانتصار على المفاسد . والنتيجة أن معنى انتظار ظهور المصلح ، هو أن الدنيا مهما مالت نحو الفساد أكثر كان الأمل بالظهور أكثر ، والانتظار يكون له أثر نفسي كبير ، فيضمن للنفوس القوة في مواجهة الأمواج والتيارات الشديدة كيلا يجرفها الفساد ، فهم ليسوا أربط جأشا فحسب ، بل بمقتضى قول الشاعر : عندما يأزف ميعاد الوصال * فلظى العشاق في أي اشتعال إذن فهم يسعون أكثر للوصول إلى الهدف المنشود ، وتنشد همتهم لمواجهة الفساد ومكافحته بشوق لا مزيد عليه . ومما ذكرناه - آنفا - نستنتج أن الأثر السلبي للانتظار إنما يكون في صوره ما لو مسخ مفهومه أو حرف عن واقعه ، كما حرفه المخالفون والأعداء ، ومسخه