مؤسسة آل البيت ( ع )

8

مجلة تراثنا

فيه ، ولا شك أن لهذا الصف المتقدم طلائع مبرزين ، ولقد كان فقيدنا ، بحق وجدارة ، متألقا بين هذه الطلائع العزيزة في عصرنا هذا ، بما أعطي من حافظة ثاقبة ، وصبر عظيم ، وصدق عزيمة ، وعلو همة . . وإذا كانت تلك الخصال متوفرة لا ريب لدى نظرائه من المحققين الكبار ، فلقد زان فقيدنا خصاله بخصائص قل أن تجد أخواتها عند غيره . . . فذلك الصفاء المتميز الذي كان يفيض من بين جوانحه إنما هو سيماء الصالحين من أبناء قروننا الأولى ! وذلك التواضع الذي يدهش له جليسه ، أين تجد نظيره إلا لدى من خشع قلبه لله تعالى حقا ، فلم يتسلق إلى نفسه شئ من مسحات غرور أو كبرياء ، ولا مثقال ذرة ! إنه تواضع الطبع والسجية ، لا تواضع التطبع والتكلف والمداراة . وخصلة ثالثة ، لو قلت إنك لا تجدها عند غيره ، فقد لا تعدو الصدق والأمانة ، ولا تقدح أحدا بغير حق ، تلك هي : عطاؤه الذي لا يعرف حدا إلا جهده وما يملك ، إنه العالم الذي لا يكتمك علما ينفعك ، ولا يخفي عليك فائدة وجدها ، باسط كنوزه بين أيدي طلابها والمعنيين بها ، إنه يعطيك حتى أعماله التحقيقية وبحوثه الجاهزة متى وجد لديك اهتماما تشفيه ، أو تصب فيه ، أو تلتقي معه . . يعطيكها كاملة ، فتكمل بها عملك ، وإن راقت لك اخترتها كلها لتنشرها باسمك أنت ، يعطيك وهو يعلم ذلك ، بل ربما أعطاك لأجل ذلك ، ولقد أعطى على هذه الطريقة كتبا ، وليس فوائد محدودة فقط ، ولقد حفظ عليه ذلك من حفظ فذكر له حقه أو بعض حقه في محله ، فيما تغافل وغض الطرف ، وقد نجد له عذرا أنه لو ذكر ذلك الحق كاملا فسوف لا يبقي لنفسه شيئا ! !