مؤسسة آل البيت ( ع )
50
مجلة تراثنا
* وأما حديث تبشير العشرة ، فإنه مع كونه غير قابل لتخصيص هذا العموم ، لما عرفت من حقيقة أمره ، وظهر لك من مكنون سره ، فهو داخل في عموم النفي دخولا أوليا ، إذ لا قرينة على إخراجه عن العموم ، مضافا إلى أن مدعي النفي على وجه العموم - أعني سعدا - لم يستثن أحدا منه - ولا نفسه على الأقل - سوى عبد الله بن سلام ، واستثنينا نحن بعض المبشرين بدليل قطعي ، فيبقى الباقي على عمومه ، والله الموفق والمعين ، وهو المرشد للصواب . ومنها : ما استظهره شيخ الإسلام الحافظ أبو الفضل شهاب الدين ابن حجر العسقلاني في " فتح الباري " ( 145 ) : من أن سعدا قال ذلك بعد موت المبشرين ، لأن ابن سلام عاش بعدهم ولم يتأخر معه من العشرة غير سعد وسعيد . قال : ويؤخذ هذا من قوله : " يمشي على وجه الأرض " . انتهى . قلت : وهذا أيضا لا يزيل من الإشكال شيئا ، بل يزيده قوة إلى قوته ، فلو سلمنا له أن ابن أبي وقاص قال ذلك بعد موت أكثر المبشرين فلقد كان هو وسعيد بن زيد حيين يمشيان على وجه الأرض ، كما اعترف بذلك - وهما من جملة المبشرين العشرة بزعمهم - فكيف ساغ لسعد أن ينفي تبشير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأحد من الصحابة ممن كان حيا في زمانه إلا لعبد الله ابن سلام ؟ ! فما ذكره في التأويل تخرص ومجازفة بلا دليل ، والله الهادي إلى سواء السبيل . ومما قررنا ينكشف لك أن حديث تبشير العشرة بالجنة زخرف من القول ، ليس له أصل ، فلا تغرنك كثرة طرقه ، ولا تهولنك وفرة أسانيده وشهرته ، فلرب مشهور لا أصل له ، فعليك - يرحمك الله - بسبر غور الأحاديث لا سيما ما كان منها من هذا النمط - والتنقيب عن حقيقتها وكنهها ، والوقوف على
--> ( 145 ) فتح الباري 7 / 161 - 162 .