مؤسسة آل البيت ( ع )
93
مجلة تراثنا
في سائر أعضائه وحواسه - سوى عقله ، ولا يعنونه ، لعدم تعلق غرض صحيح لهم بذلك ، فهذا لا ينهض دليلا للمثبتين ، بل هو حجة عليهم . وبعد تحرير هذا الموضع وقفنا على كلام لابن القيم الجوزية قريب مما ذكرناه ، فرأيناه أن إيراده هاهنا لا يخلو من فائدة . قال - بعد ذكر جوابين عن الآية ( 85 ) - : فالصواب هو الجواب الثالث ، وهو جواب صاحب الكشاف وغيره : أن المسحور على بابه وهو منس حر حتى جن فقالوا : مسحور ، مثل مجنون ، أي زائل العقل لا يعقل ما يقول ، فإن المسحور الذي لا يتبع هو الذي فسد عقله بحيث لا يدري ما يقول ، فهو كالمجنون ، ولهذا قالوا فيه : ( معلم مجنون ) ( 86 ) فأما من أصيب في بدنه بمرض من الأمراض يصاب به الناس فإنه لا يمنع ذلك من اتباعه ، وأعداء الرسل لم يقذفوهم بأمراض الأبدان ، وإنما قذفوهم بما يحذرون به سفهاءهم من أتباعهم ، ولهذا قال تعالى : ( أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا ) مثلوك بالشاعر مرة والساحر أخرى ، والمجنون مرة والمسحور أخرى ، فضلوا في جميع ذلك ضلال من يطلب في تيهه وتحيره طريقا يسلكه فلا يقدر عليه ، فإنه أي طريق أخذها فهي طريق ضلال وحيرة ، فهو متحير في أمره لا يهتدي سبيلا ولا يقدر على سلوكها ، فهكذا حال أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معه حتى ضربوا له أمثالا برأه الله منها ، وهو أبعد عنها ، وقد علم كل عاقل أنها كذب وافتراء وبهتان . انتهى . ومما احتجوا به لنفي القول بتأثير السحر وعمله في النبي صلى الله عليه وآله وسلم قول جل ثناؤه - مخاطبا إياه - ( والله يعصمك من الناس ) ( 87 ) فإن الآية عدة من الله تعالى بالحفظ والكلاءة ، والمعنى : والله يضمن لك العصمة
--> ( 85 ) تفسير سورة الكافرون والمعوذتين : 50 . ( 86 ) سورة الدخان 44 : 14 . ( 87 ) سورة المائدة 5 : 67 .