مؤسسة آل البيت ( ع )

192

مجلة تراثنا

من دون وصي أو دليل يقودها إلى تراثها ، أو يدلها عليه ، لأن تراث الأمة - كما ألمحنا - هو ذاتها وهويتها ، ولا تحتاج الذات لكي تعي وتكتشف ذاتها إلى وسيط ، فكل ذات حاضرة لذاتها ، وإدراكها لذاتها أمر وجداني ، وربما تسبب الاعتماد على أي وسيط في وعي الذات لذاتها إلى التباس صورة الذات ، وتشوهها ، وتغييب المقومات الرئيسية لها ، كما يتجلى ذلك في الصورة التي غالبا ما يستعيرها بعض الكتاب المتغربين من الباحثين الغربيين المهتمين بالشرق والمجتمعات الشرقية ، فيعاينون أمتهم بواسطة ما رسمه الاستشراق التقليدي من صورة مشوهة للأمة المسلمة وتراثها ، فيغدو التراث وما يحفل به من عناصر فعالة في دفع مسيرة الأمة نحو التطور والكمال ، معيقا لا بد من الافلات منه ، فيما يضحى تاريخ الأمة ورموزها تركة ثقيلة ، أو بتعبير أحد هؤلاء ( كومة أحجار ) ! ويستنسخ كل شئ من التراث الغربي ، حتى الأساطير اليونانية القديمة ! في محاولة لتدمير هويتنا من خلال محاولة حذف تراثنا واستبداله بتراث غريب . وعلى هذا تصير عملية إحياء تراثنا ونشره من المهام الحضارية العظمى التي تتوقف عليها نهضة الأمة ، وتحررها ، واستقلالها ، لأن النهضة تتقوم بالتراث ، وإحياء التراث هو الوسيلة الوحيدة لتقديم هذا التراث بين أيدي الناس ، وتحريره من الغرف المغلقة في خزائن المخطوطات ، ووضعه في متناول الجميع ، وتيسير الانتفاع به ، واستلهام ما يشتمل عليه من إرث حضاري كبير ، يقي الأمة من عمليات مسخ هويتها وتفتيت شخصيتها . دور القدماء في صيانة التراث وحفظه : لقد بذل العلماء المسلمون منذ عصر التدوين الأول جهودا كبيرة في كراسة التراث ، وصيانته ، والمحافظة عليه ، ولولا تلك الجهود الرائدة المبذولة في هذا السبيل لتعرض هذا التراث للاضطراب ، والتبعثر ، والضياع التام ، كما