الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
8
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
يصر كثير من المفسرين على تفسير مثل هذه الآيات بالنزول المكاني أي من فوق إلى تحت ، مثلا يقولون : إن ماء المطر ينزل من السماء إلى الأرض فتروى منه النباتات والحيوانات ، من هنا تكون مواد اللباس قد نزلت - بهذا المعنى - من السماء إلى الأرض . وفي مجال الحديد أيضا يقولون : إن الأحجار والصخور السماوية العظيمة التي تحتوي على عناصر الحديد قد انجذبت إلى الأرض . ولكن النزول ربما استعمل بمعنى النزول المقامي ، وقد استعملت هذه اللفظة في المحاورات اليومية بهذا الشكل كثيرا ، فيقال مثلا : أصدر الحاكم أمره إلى أمرائه ومعاونيه ، أو يقال : رفعت شكواي إلى القاضي ، لهذا لا داعي إلى الإصرار على تفسير هذه الآيات بالنزول المكاني . فحيث أن النعم الإلهية قد صدرت من المقام الربوبي الرفيع إلى البشر ، لهذا عبر عن هذا المفهوم بهذا اللفظ ، وهو تعبير يدركه الإنسان بدون إشكال أو صعوبة . ويشبه هذا الموضوع ما نلاحظه في ألفاظ الإشارة القريبة والبعيدة أيضا ، فقد يكون شئ ما ذا بال أو موضوع مهم في متناول أيدينا ، ولكنه - لما كان من حيث الشأن - يتمتع بمقام مهم رفيع ، فإننا نشير إليه باسم الإشارة البعيد ، فنقول في محاوراتنا مثلا : تلك الشخصية ، ونحن نقصد رجلا حاضرا قريبا ، وقد جاء في القرآن الكريم : ذلك الكتاب لا ريب منه . والمقصود من الكتاب المشار إليه بالإشارة البعيدة القرآن الحاضر ، ولكن تعظيما له أستعيض في الإشارة إليه عن أداة الإشارة القريبة بأداة الإشارة البعيدة . 3 اللباس في الماضي والحاضر : لم يزل الإنسان فيما مضى - كما يشهد به التاريخ - يلبس الثياب ، ولكن