الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

39

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

سبقوكم ، وذوقوا نفس مصيرهم النار قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار . إن هذا الأمر يمكن أن يكون بشكل أمر تكويني ، يعني أن يجعلهم جميعا في مكان واحد ، أو يكون شبيها بأمر تشريعي يصدر إليهم يسمعونه بآذانهم ، ويكونون مجبورين على إطاعته . وعندما يدخل الجميع في النار تبدأ مصادماتهم مع زملائهم وأشباههم في المسلك ، وهي مصادمات عجيبة ، فكلما دخلت جماعة منهم في النار لعنت الأخرى واعتبرتها سببا لشقائها ومسؤولة عن بلائها ومحنتها كلما دخلت أمة لعنت أختها . ( 1 ) ولعلنا قلنا مرارا : إن ساحة القيامة وما يجري فيها انعكاس واسع وكبير لمجريات هذه الدنيا . فلطالما رأينا في هذا العالم الجماعات والفرق والأحزاب المنحرفة تلعن إحداها الأخرى ، وتبدي تنفرها منها . على العكس من أنبياء الله ، والمؤمنين الصالحين ، والمصلحين الخيرين ، فإن كل واحد منهم يؤيد برنامج الآخر ، ويعلن عن ارتباطه به واتحاده معه في الأهداف والغايات . إلا أن الأمر لا ينتهي إلى هذا الحد ، بل عندما يستقر الجميع - بمنتهى الذلة والصغار - في الجحيم والعذاب الأليم ، تبدأ كل واحدة منها برفع شكايتها إلى الله من الأخرى . ففي البداية يبدأ المخدوعون المغرر بهم بعرض شكايتهم ، وحيث أنهم لا يجدون مناصا مما هم فيه يقولون : ربنا إن هؤلاء المغوين هم الذين أضلونا وخدعونا ، فضاعف يا رب عذابهم ، عذابا لضلالهم وعذابا لإضلالهم إيانا . وهذا هو ما يتضمنه قوله تعالى : حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم

--> 1 - التعبير بالأخت كناية عن الارتباط الفكري والصلة الروحية بين هذه الفرق المنحرفة ، وحيث أن الأمة مؤنث لفظي ، لهذا عبر عنها بالأخت ، لا الأخ .