الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

36

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ونظرا إلى أن منشأ جميع أنواع الشقاء في نظر القرآن هو الشرك ، ورأس مال جميع السعادات هو التوحيد ، يتضح لماذا يكون هؤلاء الضالون المضلون أظلم الناس . إن هؤلاء ظلموا أنفسهم كما ظلموا المجتمع الذي يقيمون فيه ، إنهم يغرسون النفاق والتفرقة في كل مكان ، ويشكلون سدا ومانعا كبيرا في طريق وحدة الصفوف والتقدم والإصلاحات الواقعية ( 1 ) ثم إنه تعالى يصف وضعهم عند الموت فيقول : أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم . أي أن هؤلاء سيأخذون ما هو نصيبهم وما هو مقدر مكتوب لهم من النعم المختلفة ، حتى إذا استوفوا حظهم من العمر ، وانتهوا إلى آجالهم النهائية ، حينئذ تأتيهم ملائكتنا الموكلون بقبض أرواحهم . والمراد من " الكتاب " هي المقدرات من النعم المختلفة التي قدرها الله تعالى لعباده في هذا العالم ، وإن احتمل بعض المفسرين أن يكون المراد من الكتاب هو العذاب الإلهي ، أو ما هو أعم من المعنيين . ولكن بالنظر إلى كلمة ( حتى ) التي تشير عادة إلى انتهاء الشئ ، يتضح أن المراد هو فقط نعم الدنيا المتنوعة المختلفة التي لكل أحد فيها حظ ونصيب ، سواء المؤمن أو الكافر ، الصالح والطالح ، والتي تؤخذ عند الموت ، لا العقوبات الإلهية التي لا تنتهي بحلول الموت ، والتعبير بالكتاب عن هذه النعم والمقدرات إنما هو لأجل شبهها بالأمور التي تخضع للتقسيم والأسهم وتكتب . وعلى كل حال ، فإن عقوباتهم تبدأ منذ لحظة حلول الموت ، ففي البداية يواجهون التوبيخ وعتاب الملائكة المكلفين بقبض أرواحهم ، فيسألونهم : أين معبوداتكم التي اتخذتموها من دون الله والتي طالما تحدثتم عنها ، وكنتم

--> 1 - لمزيد من التوضيح راجع تفسير الآية ( 21 ) من سورة الأنعام .