مؤسسة آل البيت ( ع )

86

مجلة تراثنا

ب - يبدو من النص أن شيخنا المفيد - رضي الله عنه وأرضاه - كان قد استقل بالتدريس ونشر العلم ، في ستينات القرن الرابع ، وفي الثلاثينات من عمره الشريف ، وشيخه - الذي حمل منه ما حمل - ابن قولويه بعد لا يزال حيا . وأنه كان له منذ تلك الأيام مجلس درس في مسجده الشهير بدرب رياح في الكرخ - وقد ذكرنا هذا من قبل عندما ترجمنا له - وأنه كان قد بلغ من الرفعة والجلالة الدرجة التي ترى مثل هذه السيدة الجليلة أم الشريفين أن تحضر بنفسها مجلسه آخذة معها ولديها الشريفين ، إكراما له ورعاية لعلمه ومقامه . وكان لها أن تستدعيه إلى بيتها ، وهو ذلك البيت الرفيع الذي لا يأبى من الحضور فيه أحد ولو كان مثل الشيخ المفيد ، وعذرها في ذلك خدرها ، وأنعم به لمثلها من عذر ! وفوق هذا كله الخلق العظيم النبوي والروح العلوية اللذين ورثتهما هي وبيتها الطاهر ، وبهذا هان عليها كل تواضع وتنازل ، والمجتمع المسلم لو كان قد جعل من هذا النموذج المثل الذي يقتدي به في سلوكه الفردي والاجتماعي لكانت الدنيا غير هذه الدنيا ، والحياة غير هذه الحياة ! . ج - وأرى - وهذا من الهواجس النفسية ، وأرجو أن يغفره لي أولئك الذين لا يؤمنون بالهواجس - أن الشريف الرضي يومذاك لم يكن قد بلغ السن الذي تمكنه من التعلم على أستاذ كالشيخ المفيد ، إذ كان يومذاك في السابعة من عمره وأخوه الشريف المرتضى كان يكبره بخمس سنوات . ويخيل إلي المقصود أصالة كان هو الشريف المرتضى ، ولكن الشريف الرضي بما فيه من نفسيات تسمو في كل شئ على غيره ، ومنه إحساسه القوي بالتسامي والتعالي ، كبر عليه أن يؤخذ أخوه إلى مجلس التعليم ولا يؤخذ هو ، فأشرك في ذلك ، مع العلم أن المادة التدريسية التي تعطى لمن كان في الحادية عشرة من عمرة تختلف في كثير عن التي تتناسب مع من بلغ السابعة فحسب . وللكلام عن هذا الجانب الذي يرجع إلى سيرة الشريف الرضي رحمه الله مجال آخر ، أرجو الله أن يوفقني إلى العود إليه .