مؤسسة آل البيت ( ع )
30
مجلة تراثنا
ليس كافيا في تحقيق معنى التوحيد الذي يدعو إليه القرآن الكريم ، لأن مثل هذا التوحيد موجود لدى المشركين ، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى : " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون " على معنى أن الشرك هنا هو عبادة غير الله . يقول : الشيخ ابن تيمية في الفتاوى الكبرى : " والشرك الذي ذكره الله في كتابه إنما هو عبادة غيره من المخلوقات كعبادة الملائكة والكواكب أو الشمس أو القمر أو الأنبياء أو تماثيلهم أو قبورهم أو غيرهم من الآدميين ، ونحو ذلك مما هو كثير في هؤلاء الجهمية ونحوهم ممن يزعم أنه محقق في التوحيد وهو أعظم الناس إشراكا " ( 1 ) . وهم بهذا يعطون مصطلح الشرك معنى آخر غير ما يفاد من دلالته اللغوية والاجتماعية والعلمية . ذلك أن معناه لغة واصطلاحا هو الاعتقاد بتعدد الآلهة ، بمعنى جعل شريك أو أكثر لله فيما يختصن به من خلق ونحوه . وفي ضوئه : أن من يعبد شيئا واحدا غير الله كالشمس - مثلا - وهو لا يؤمن بالله لا يقال له : مشرك ، وإنما يقال له : ملحد . والقرآن الكريم إنما عبر عمن أشارت إليهم الآية الكريمة بالاشراك ، لأنهم كانوا يؤمنون بالله إلها معبودا ، ولكن أشركوا معه آلهة آخرين يعبدونهم ليقربوهم إلى الله زلفى " ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى " فأشركوا بسبب إضفاء صفة خاصة به تعالى على غيره وهي الألوهية ، لأن العبودية لا تكون إلا لمن يعتقد بألوهيته ، فهم في الواقع مشركون في الألوهية ، والشرك لا يعبر عنه بالتوحيد للمنافاة بينهما . فالتعبير عن هذا اللون من الشرك بالتوحيد فيه شئ غير قليل من التساهل في استعمال المصطلحات .
--> ( 1 ) حد الإسلام وحقيقة الإيمان : 125 .