الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
9
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
لمعرفة الحقيقة ، وقد أبعدتهم هذه الحالة عن طريق الرشاد وأخرجتهم من جادة الصواب ، بحيث لم يبق أمل في هدايتهم ، فاستحقوا بذلك عذاب الله ، ولم تعد تنفع فيهم شفاعة الشافعين ، وفي هذا المجال تقول الآية الكريمة : ومن يرد الله فتنته فلن يملك له من الله شيئا وقد تدنست قلوب هؤلاء إلى درجة لم تعد قابلة للتطهير ، وحرمهم الله لذلك طهارة القلوب ، فتقول الآية : أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم . . . وعمل الله مقرون بالحكمة دائما ، لأن من يقضي عمرا في الانحراف ويمارس النفاق والكذب ويخالف الحق ويرفض الحقيقة ، ويحرف قوانين الله لن يبقى له مجال للتوبة والعودة إلى الحق ، حيث تقول الآية الكريمة في هذا المجال : لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم . أما الآية الثانية فتؤكد - مرة أخرى - على أن هؤلاء لديهم آذان صاغية لاستماع حديث النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا لإطاعته بل لتكذيبه ، أو كما يقول تفسير آخر فإن هؤلاء آذانهم صاغية لاستماع أكاذيب كبارهم ، فتقول الآية : سماعون للكذب . . . وقد تكررت هذه الجملة في آيتين متتاليتين تأكيدا واثباتا لوجود هذه الصفة الشنيعة في هؤلاء . كما أضافت الآية صفة شنيعة أخرى اتصف بها اليهود ، وهي تعودهم وادمانهم على أكل الأموال المحرمة والباطلة من الربا والرشوة وغير ذلك ، حيث تقول الآية : أكالون للسحت . . . ( 1 ) . ثم تخير الآية النبي بين أن يحكم بينهم أو أن يتجنبهم ويتركهم ، حيث تقول الآية : فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو اعرض عنهم . . . ولا يعني التخيير أن يستخدم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ميله ورغبته في اختيار أحد الأمرين المذكورين ، بل إن
--> 1 - تعني كلمة ( سحت ) في الأصل نزع القشرة ، أو شدة الجوع ، ثم أطلقت على كل مال غير مشروع ، أي محرم ، وبالأخص الرشوة ، لأن مثل هذه الأموال تنزع الصفاء والمودة عن المجتمع وتزيل عنه البركة والرخاء مثلما يؤدي نزع قشر الشجرة إلى ذبولها وجفافها وعلى هذا الأساس فإن لكلمة ( سحت ) معنى واسعا ، وإذا ورد في بعض الروايات مصداق خاص لها فلا يدل ذلك على اختصاص الكلمة بذلك .