الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
80
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ثم تشير الآية الثانية إلى الأثر العميق الذي يتركه الإيمان والتقوى - في الحياة الدنيوية للإنسان ، فتؤكد أن أهل الكتاب لو طبقوا التوراة والإنجيل وجعلوهما منهاجا لحياتهم وعملوا لكل ما نزل عليهم من ربهم ، سواء في الكتب السماوية السابقة أو في القرآن ، دون تمييز أو تطرف لغمرتهم النعم الإلهية من السماء والأرض ، فتقول الآية : ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم . . . وبديهي أن المراد من إقامة التوراة والإنجيل هو اتباعهم لما بقي من التوراة والإنجيل الحقيقيين في أيديهم في ذلك العصر ، ولا يعني اتباع ما حرف منهما والذي يمكن معرفته من خلال القرائن . والمراد بجملة ما أنزل إليهم من ربهم هو كل الكتب السماوية والأحكام الإلهية ، لأن هذه الجملة يفهم منها الإطلاق ، وهي في الحقيقة إشارة إلى النهي عن خلط العصبيات القومية بالوسائل الدينية الإلهية ، فليس المهم كون هذا الكتاب عربيا أو ذلك الكتاب يهوديا ، بل المهم هو الأحكام الإلهية الواردة فيهما وفي كل الكتب السماوية ، أي أن القرآن أراد أن يطفئ - ما أمكنه ذلك - نار العصبية القومية عند هؤلاء ، ويمهد السبيل إلى التغلغل في أعماق نفوسهم وقلوبهم ، لذلك فالضمائر الواردة في هذه الآية تعود إلى أهل الكتاب وهي : ( إليهم ، من ربهم ، من فوقهم ، ومن تحت أرجلهم ) وما ذلك إلا لكي يترك هؤلاء عنادهم وصلفهم ، ولكي لا يتصوروا أن الخضوع والاستسلام أمام القرآن يعني استسلام اليهود للعرب ، بل هو استسلام وخضوع لربهم العظيم . ولا شك أن المراد بإقامة التوراة والإنجيل هو العمل بالمبادئ السماوية الواردة فيهما ، لأن جميع المبادئ والتعاليم كما أسلفنا سابقا - التي جاء بها الأنبياء أينما كانوا - واحدة لا فرق بينها غير الفرق بين الكامل والأكمل ، ولا يتنافى هذا مع النسخ الذي ورد في بعض الأحكام الواردة في الشريعة اللاحقة