الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

77

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الاتحاد والإخلاص فيما بينهم على الصعيد العالمي ، فلو كان هؤلاء يتمتعون بالوحدة والصدق فيما بينهم ، لما عانوا طيلة تاريخ حياتهم من ذلك التشرد والضياع والتشتت والتعاسة . وقد شرحنا قضية العداوة والبغضاء الدائمة بين أهل الكتاب بشئ من التفصيل عند تفسير الآية ( 14 ) من نفس هذه السورة . وتشير الآية - في الختام - إلى المساعي والجهود التي كان يبذلها اليهود لتأجيج نيران الحروب ، وعناية الله ولطفه بالمسلمين في انقاذهم من تلك النيران المدمرة الماحقة ، فتقول كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله . . . وتعتبر هذه الظاهرة إحدى معاجز حياة النبي الأكرم محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لأن اليهود كانوا الأقوى بين أهل الحجاز والأعرف بمسائل الحرب ، بالإضافة إلى ما كانوا يمتلكون من قلاع حصينة وخنادق منيعة ، ناهيك عن قدرتهم المالية الكبيرة التي كانت لهم عونا في كل صراع بحيث أن قريشا كانوا يستمدون العون منهم ، وكان الأوس ، والخزرج يسعى كل منهما إلى التحالف معهم وكسب صداقتهم ونيل العون منهم في المجال العسكري ، لكنهم فقدوا فجأة قدرتهم المتفوقة - هذه - وطويت صفحة جبروتهم دفعة واحدة ، بشكل لم يكن متوقعا لديهم ، فاضطر يهود بني النضير وبني قريظة وبني القينقاع إلى ترك ديارهم ، كما استسلم نزلاء قلاع خيبر الحصينة وسكان فدك من اليهود خاضعين للمسلمين ، وحتى أولئك الذين كانوا يقطنون في فيافي الحجاز منهم اضطروا إلى الخضوع أمام عظمة الإسلام ، فهم بالإضافة إلى عجزهم عن نصرة المشركين اضطروا إلى ترك ميدان النزال والصراع . ثم تبين الآية - أيضا - أن هؤلاء لا يكفون عن نثر بذور الفتنة والفساد في الأرض فتقول : ويسعون في الأرض فسادا . . . وتؤكد أيضا قائلة : والله لا يحب المفسدين .