الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
505
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
مشركين ، وأن لا يكون آباؤنا وثنيين ، وأن لا نحرم ما حرمنا لفعل : سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ . ويلاحظ نظير هذه العبارة في آيتين أخريين من الكتاب العزيز ، في سورة النحل الآية 35 : وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه . وفي سورة الزخرف الآية ( 20 ) : وقالوا لو شاء الرحمان ما عبدناهم . وهذه الآيات تفيد أن المشركين - مثل كثير من العصاة الذين يريدون التملص من مسؤولية العصيان تحت ستار الجبر - كانوا يعتقدون بالجبر ، وكانوا يقولون : كل ما نفعله فإنما هو بإرادة الله ومشيئته وإلا لما صدرت منا مثل هذه الأعمال . وفي الحقيقة أرادوا تبرئة أنفسهم من جميع هذه المعاصي ، وإلا فإن ضمير كل إنسان عاقل يشهد بأن الإنسان حر في أفعاله وغير مجبور ، ولهذا إذا ظلمه أحد انزعج منه ، وأخذه ووبخه ، بل وعاقبه إذا قدر . وكل ردود الفعل هذه تفيد أنه يرى المجرم حرا في عمله ومختار ، فهو ليس على استعداد لأن يغض الطرف عن ردود الفعل هذه بحجة أن الظلم الواقع عليه من قبل ذلك الشخص مطابق لإرادة الله ومشيئته ( تأمل بدقة ) . نعم هناك احتمال في هذه الآية ، وهو أنهم كانوا يدعون أن سكوت الله على عبادتهم للأصنام وتحريمهم لطائفة من الحيوانات دليل على رضاه ، لأنه إذا لم يكن راضيا بها وجب أن يمنعهم عنها بنحو من الأنحاء . وكانوا يريدون - بذكر عبارة ولا آباؤنا - أن يسبغوا على عقائدهم الفارغة لون القدم والدوام ، ويقولون : إن هذه الأمور ليست بجديدة ندعيها نحن بل كان ذلك دائما . ولكن القرآن تصدى لجوابهم وناقشهم بشكل قاطع ، فهو يقول أولا : ليس