الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

503

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

كان من جانب إسرائيل ( يعقوب ) ، لأن يعقوب - كما جاء في الآية ( 93 ) من سورة آل عمران - لم يحكم بحرمة هذه الأشياء أبدا ، وليس هذا سوى تهمة ألصقتها اليهود به . * * * ولما كان عناد اليهود المشركين أمرا بينا ، وكان من المحتمل أن يتصلبوا ويتمادوا في تكذيب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، أمر الله تعالى نبيه في الآية الأخرى أنهم إن كذبوه يقول لهم : إن ربكم ذو رحمة واسعة فهو لا يسارع إلى عقوبتكم ومجازاتكم ، بل يمهلكم لعلكم تؤوبون إليه ، وترجعون عن معصيتكم ، وتندمون من أفعالكم وتعودون إلى الله ، فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة . ولكن إذا أساؤوا فهم أو استخدام هذا الإمهال الإلهي ، واستمروا في كيل التهم فيجب أن يعلموا أن عقاب الله إياهم حتمي لا مناص منه ، وسوف يصيبهم غضبه في المآل : ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين . إن هذه الآية تكشف - بوضوح - عن عظمة التعاليم القرآنية ، فإنه بعد شرح وبيان كل هذه المخالفات التي ارتكبها اليهود والمشركون لا يعمد إلى التهديد بالعذاب فورا ، بل يترك طريق الرجعة مفتوحا ، وذلك بذكر عبارات تفيض بالحب مثل قوله : " ربكم " " ذو رحمة " " واسعة " أولا . حتى إذا كان هناك أدنى استعداد للرجوع والإنابة في نفوسهم شوقتهم هذه العبارات العاطفية على العودة إلى لطريق المستقيم . ولكن حتى لا تبعث سعة الرحمة الإلهية هذه على التمادي في غيهم ، وتتسبب في تزايد جرأتهم وطغيانهم ، وحتى يكفوا على العناد واللجاج هددهم في آخر جملة من الآية بالعقوبة الحتمية . * * *