الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
449
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الخفاء ، وتقول : وذروا ظاهر الإثم وباطنه . يقال إنهم في الجاهلية كانوا يعتقدون أن الزنا إذا ارتكب في الخفاء فلا بأس به ، أما إذ ارتكب علنا فهو الإثم ! واليوم - أيضا - نجد أناسا يسيرون وفق هذا المنطق الجاهلي فيخشون ارتكاب الإثم علانية ، ولكنهم يرتكبون في الخفاء ما يشاؤون من الآثام دون رادع من ضمير . إن هذه الآية لا تدين هذا المنطق فحسب ، بل تحمل مفاهيم واسعة ، فهي بالإضافة إلى ما قلناه آنفا تتضمن الكثير من التفاسير التي وردت للإثم الظاهر والباطن ، من ذلك مثلا - قولهم : ان الإثم الظاهر هو ما يرتكب بوساطة أعضاء الجسم ، والإثم الباطن هو ما يرتكب في القلب وفي النية والعزم . ثم من باب تهديد المذنبين بما ينتظرهم من مصير مشؤوم وتذكيرهم بذلك ، تقول الآية : إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون . عبارة يكسبون الإثم تعبير رائع يشير إلى أن الإنسان في هذه الدنيا أشبه بأصحاب رؤوس الأموال الذين يدخلون سوقا كبيرة ، أن رؤوس أموالهم الذكاء والعقل والعمر والشباب والطاقات المختلفة التي هي مواهب الله ، فالمسكين ذاك الذي " يكتسب " الإثم بدل أن يكتسب السعادة والشخصية الإنسانية والتقوى والقرب إلى الله . و " سيجزون " أي ينالون الجزاء في المستقبل القريب . . . قد يشير إلى يوم القيامة ، وأنه وإن بدا في نظر بعضهم بعيدا ، فهو في الحقيقة قريب جدا ، وإن هذا العالم سرعان ما تنطوي أيامه ويحين المعاد . وقد يكون إشارة إلى أن أغلب أفراد البشر ينالون في هذه الدنيا بعض ما يستحقونه من نتائج أعمالهم السيئة بشكل ردود فعل فردية واجتماعية . * * *