الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

422

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ثم لكي تبين أن هذه الأدلة والبراهين كافية لإظهار الحقيقة لأنها منطقية ، تقول : فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها ، أي أن إبصارهم يعود بالنفع عليهم وعماهم يسبب الإضرار بهم . وفي نهاية الآية تقول ، على لسان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : وما أنا عليكم بحفيظ . للمفسرين احتمالان في تفسير هذا المقطع من الآية : الأول : إني لست أنا المسؤول عن مراقبتكم والمحافظة عليكم وملاحظة أعمالكم ، فالله هو الذي يحافظ على الجميع ، وهو الذي يعاقب ويثيب الجميع ، أن واجبي لا يتعدى إبلاغ الرسالة وبذل الجهد لهداية الناس . والآخر : أنا غير مأمور لأحملكم بالجبر والإكراه على قبول الإيمان ، إنما واجبي هو أن أدعوكم إلى ذلك بتبيان الحقائق بالمنطق والحجة وأنتم الذين تتخذون قراركم النهائي . وليس ما يمنع من انطواء العبارة على كلا المعنيين . الآية التالية تؤكد أن اتخاذ القرار النهائي في اختيار طريق الحق أو الباطل إنما يرجع للناس أنفسهم ، وتقول : وكذلك نصرف الآيات ( 1 ) أي كذلك نبين الأدلة والبراهين بصور وأشكال متنوعة . لكن جمعا عارضوا ، وقالوا - دونما دليل وبرهان - إنك تلقيت هذا من الآخرين ( أي اليهود والنصارى ) : وليقولوا درست ( 2 ) . إلا أن جمعا آخر ممن لهم الاستعداد لتقبل الحق لما لهم من بصيرة وفهم وعلم ، يرون وجه الحقيقة ويقبلونها : ولنبينه لقوم يعلمون . إن اتهام رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأنه اقتبس تعاليمه من اليهود والنصارى قد تكرر

--> 1 - " نصرف " من " التصرف " وهو بمعنى رد الشئ من حالة أو إبداله بغيره ، أي أن الآيات تنزل في صور وأشكال متنوعة ولمختلف المستويات العقلية والعقائدية والاجتماعية . 2 - " اللام " في ليقولوا هي " لام العاقبة " لبيان العاقبة التي وصل إليها الأمر دون أن تكون هي الهدف المقصود ، لقد كانت هذه تهمة يوجهها المشركون إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .