الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
354
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
باب الفرض والاحتمال حتى يفكر في الأمر ، وهذا يشبه تماما حالنا ونحن نحاول أن نعثر على سبب حادثة ما ، فنقلب مختلف الاحتمالات والافتراضات على وجوهها واحدة واحدة ، ونستقصي لوازم كل فرضية حتى نعثر على العلة الحقيقية ، وهذا لا يكون كفرا ، بل ولا حتى دليلا على عدم الإيمان ، بل هو طريق لتحقيق أكثر ولمعرفة أفضل ، للوصول إلى مراحل أعلى من الإيمان ، كما فعل إبراهيم في مسألة " المعاد " إذ قام بمزيد من الدراسة يوصل إلى مرحلة الشهود والاطمئنان . جاء في تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن الإمام الباقر أو الصادق ( عليهما السلام ) أنه قال : " إنما كان إبراهيم طالبا لربه ، ولم يبلغ كفرا ، وانه من فكر من الناس في مثل ذلك فإنه بمنزلته " ( 1 ) . وهنالك روايتان أخريان يذكرهما تفسير نور الثقلين بهذا الشأن . أما التفسير الثاني فيقول : إن إبراهيم كان يقول هذا الكلام أثناء مخاطبته عبدة النجوم والشمس ، ويحتمل أن يكون ذلك بعد مخاصماته الشديدة في بابل مع عبدة الأوثان وخروجه منها إلى الشام ، حيث التقى بهؤلاء الأقوام ، وإبراهيم الذي كان قد خبر عناد الأقوام الجاهلة في بابل وخطأ تفكيرهم ، أراد أن يجلب إليه انتباه عبدة الكواكب والشمس والقمر ، فأظهر في البداية أنه معهم وقال لهم : إنكم تقولون : إن كوكب الزهرة هذا هو ربي ، حسنا ، فلنر ما يحصل لهذا الاعتقاد في النهاية ، ولم يمض وقت طويل حتى اختفى وجه الكوكب النير خلف ستار الأفق المظلم ، عندئذ اتخذ إبراهيم من هذا الأفول سلاحا يواجههم به فقال : أنا لا يمكنني أن أتقبل معبودا كهذا . وعليه ، فإن عبارة هذا ربي تعني : هذا ما تعتقدون أنه ربي ، أو أنه قالها بلهجة الاستفهام : " هذا ربي ؟ " .
--> 1 - تفسير نور الثقلين ، ج 1 ، ص 738 .