الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

352

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ومرة أخرى رفع عينيه إلى السماء فلاح له قرص القمر الفضي ذو الإشعاع واللمعان الجذاب على أديم السماء ، فصاح ثانية : هذا ربي : ولكن مصير القمر لم يكن بأفضل من مصير الكوكب قبله ، فقد أخفى وجهه خلف طيات الأفق . هنا قال إبراهيم : إذا لم يرشدني ربي إلى الطريق الموصل إليه فسأكون في عداد التائهين فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين . عند ذاك كان الليل قد انقضى ، وراح يجمع أطراف أستاره المظلمة هاربا من كبد السماء ، بينما راحت الشمس تطل من المشرق وتلقي بأشعتها الجميلة كنسيج ذهبي تنشره على الجبل والوادي والصحراء ، وما أن وقعت عين إبراهيم الباحث عن الحقيقة على قرص الشمس الساطع صاح : هذا ربي فإنه أكبر وأقوى ضوءا ، ولكنه إذ رآها كذلك تغرب وتختفي في جوف الليل البهيم أعلن إبراهيم قراره النهائي قائلا : يا قوم ! لقد سئمت كل هذه المعبودات المصطنعة التي تجعلونها شريكة لله : فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون . الآن بعد أن عرفت أن وراء هذه المخلوقات المتغيرة المحدودة الخاضعة لقوانين الطبيعة إلها قادرا وحاكما على نظام الكائنات ، فاني أتجه إلى الذي خلق السماوات والأرض ، وفي إيماني هذا لن أشرك به أحدا ، فاني موحد ولست مشركا : إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين . * * * للمفسرين كلام كثير في تفسير هذه الآية والآيات التالية بشأن ما دفع