الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
35
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
بكتابيهم السماويين ، لكان اتباع هذين الدينين خير حليفين للمسلمين ، لكنهم اتحدوا معا - لا بأمر من كتابيهم - بل لأغراض سياسية وتكتلات عنصرية وأمثال ذلك . بعد ذلك تبين الآية سبب هذا النهي في جملة قصيرة ، وتقول بأن هاتين الطائفتين إنما هما أصدقاء وحلفاء أشباههما من اليهود والنصارى حيث تقول : بعضهم أولياء بعض أي أنهما يهتمان بمصالحهما ومصالح أصدقائهما فقط ، ولا يعيران اهتماما لمصالح المسلمين ، ولذلك فإن أي مسلم يقيم صداقة أو حلفا مع هؤلاء فإنه سيصبح من حيث التقسيم الاجتماعي والديني جزءا منهم ، حيث تؤكد الآية في هذا المجال بقولها : ومن يتولهم منكم فإنه منهم . وبديهي أن الله لا يهدي الأفراد الظالمين الذين يرتكبون الخيانة بحق أنفسهم وإخوانهم وأخواتهم المسلمين والمسلمات ، ويعتمدون على أعداء الإسلام تقول الآية : إن الله لا يهدي القوم الظالمين . وتشير الآية التالية إلى الأعذار التي كان يتشبث بها أفراد ذوي نفوس مريضة لتبرير علاقاتهم اللاشرعية مع الغرباء ، واعتمادهم عليهم وتحالفهم معهم ، مبررين ذلك بخوفهم من الوقوع في مشاكل إن أصبحت القدرة يوما في يد حلفائهم الغرباء ، فتقول الآية : فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ( 1 ) . ويذكر القرآن الكريم هؤلاء الضعفاء ذوي النفوس المريضة ردا على تعللهم في التخلي عن حلفهم مع الغرباء ، فيبين لهم أنهم حين يحتملون أن يمسك اليهود والنصارى يوما بزمام القدرة والسلطة يجب أن يحتملوا - أيضا - أن ينصر الله
--> 1 - إن كلمة ( دائرة ) مشتقة من المصدر ( دور ) أي الشئ الذي يكون في حالة دوران ، وبما أن القدرات المادية والحكومات هي في حالة دوران دائم على طول التأريخ ، لذلك يقال لها ( دائرة ) كما تطلق هذه الكلمة - أيضا - على أحداث الحياة المختلفة التي تدور حول الأشخاص .