الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
340
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ثم يأتي باستدلال آخر على المشركين ، فيقول : إذا عدنا إلى عبادة الأصنام ، بعد الهداية الإلهية نكون قد رجعنا القهقري ، وهذا يناقض قانون التكامل الذي هو قانون حياتي عام : ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله ( 1 ) . ثم يضرب مثلا لتوضيح الأمر ، فيقول : إن الرجوع عن التوحيد إلى الشرك أشبه بالذي أغوته الشياطين ( أو غيلان البوادي التي كان عرب الجاهلية يعتقدون أنه ا تكمن في منعطفات الطرق وتغوي السابلة وتضلهم عن الطريق ) فتاه عن مقصده وظل حيرانا في البادية : كالذين استهوته الشياطين في الأرض حيران بينما له رفاق يرشدونه إلى الصراط السوي المستقيم وينادونه : هلم إلينا ، ولكنه من الحيرة والتيه بحيث لا يسمع النداء ، أو إنه غير قادر على اتخاذ القرار : له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا ( 2 ) . وفي الختام يؤمر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يقول : إن الهداية من الله وليس لنا إلا أن نسلم لأمر الله رب العالمين : قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين . وهذا دليل آخر على رفض دين المشركين ، إذ التسليم لا يكون إلا لخالق الكون ومالكه ورب عالم الوجود ، لا الأصنام التي لا دور لها في إيجاد هذا العالم وإدارته . سؤال : يبرز هنا هذا السؤال : لم يكن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قبل البعثة من أتباع دين
--> 1 - " أعقاب " جمع " عقب " وهو مؤخر الرجل ، ورجع على عقبه بمعنى انثنى راجعا ، وهو هنا كناية عن الانحراف عن الهدف ، وهو ما يطلق عليه اليوم اسم " الرجعية " . 2 - " استهوته " من " الهوى " وهو ميل النفس إلى الشهوة ، واستهوته بمعنى حملته على اتباع الهوى ، و " الحيرة " هي التردد في الأمر ، وفي الأصل : الجيئة والذهاب ، فالآية تشير إلى الذين يذهبون من الإيمان إلى الشرك مستلهمين تحركاتهم من الشيطان .