الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
328
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
هنالك أيضا احتمال آخر في تفسير هذه الآية ، وهو - أن الله قد أشار - إلى جانب العذاب السماوي والأرضي - إلى لونين آخرين من العذاب : أحدهما : اختلاف العقيدة والفكر ( وهو في الواقع مثل العذاب النازل من فوق ) ، والآخر : هو الاختلاف في العمل والسلوك الاجتماعي الذي يؤدي إلى الحروب وإراقة الدماء ( وهو أشبه بالعذاب الآتي من تحت ) . وعليه ، فالآية تشير إلى أربعة ألوان من العذاب الطبيعي ، ولونين من العذاب الاجتماعي . 3 - لابد من الانتباه إلى أن قوله تعالى : أو يلبسكم شيعا ( 1 ) ، لا يعني أن الله يبتلي الناس - بدون مبرر - بالنفاق والاختلاف ، بل إن ذلك نتيجة سوء أعمالهم وغرورهم وأنانياتهم ، والانغماس في منافعهم الشخصية ، مما يثير روح النفاق والتفرقة بينهم ، وما نسبة ذلك إلى الله إلا لأنه جعل تلك الآثار من نتائج تلك الأعمال . 4 - على الرغم من أن الخطاب في هذه الآية موجه إلى المشركين وعبدة الأصنام ، فإننا نستنتج أن المجتمع المشرك والمنحرف عن طريق التوحيد وعبادة الله ، يصاب بظلم الطبقات العليا ، وظلم الطبقات الدنيا المتهاونة في واجباتها ، كما تقع البشرية بين براثن الاختلاف العقائدية والمخاصمات الدموية في المجتمع ، كما هو حال المجتمعات المعاصرة التي تعبد أوثان الصناعة والثروة ، فهي رهين مصائب لا فكاك لها من مخالبها . بعض الشعوب المسلمة تتحدث عن التوحيد وعبادة الله بأقوالها ، ولكنها بأفعالها مشركة تعبد الأصنام . إن مصائر شعوب كهذه لا يختلف عن مصائر المشركين . وقد يكون حديث الإمام الباقر ( عليه السلام ) : " كل هذا في أهل القبلة " إشارة إلى هذا الاختلاف بين المسلمين ، فعندما ينحرف المسلمون عن طريق التوحيد ،
--> 1 - " شيعا " جمع " شيعة " بمعنى الجماعة .