الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
321
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
البصر " ( 1 ) . والدليل على ذلك هو ما ذكرناه في تفسير هذه الآية ، وهو أن أعمال الإنسان تؤثر في وجوده وفي وجود الكائنات المحيطة به ، تماما مثل الماكنة التي تسجل مقدار حركتها في عداد متصل بها . وبتعبير أوضح ، لو كانت هناك أجهزة دقيقة جدا لاستطاعت أن تسجل في عين الإنسان عدد النظرات الآثمة ، وعلى الألسنة عدد الأكاذيب والافتراءات والتهم والطعون التي اقترفتها ، أي أن كل عضو من أعضاء الجسم فيه - بالإضافة إلى روحه - جهاز حاسب يكشف الحساب في لحظة واحدة . وإذا جاء في بعض الروايات أن محاسبة المسؤولين والأغنياء تطول يوم القيامة فإن هذا لا يعني في الواقع طول زمن الحساب ، بل هو طول زمن المحاسبة عليهم ، إذ لابد لهم من الإجابة على الأسئلة الكثيرة التي تلقى عليهم بشأن الأعمال التي ارتكبوها ، أي أن ثقل مسؤولياتهم ولزوم إجابتهم على الأسئلة لإتمام الحجة عليهم هي التي تطيل زمن محاكمتهم . يؤلف مجموع هذه الآيات درسا تربويا كاملا لعباد الله في إحاطة علمه تعالى بأصغر ذرات هذا العالم وبأكبرها وقدرته وقهره لعباده ومعرفته بجميع أعمال البشر ، وقيام كتبة أمناء بحفظ أعمال الناس وقبض أرواحهم في لحظات معينة بالنسبة لكل منهم ، وبعثهم يوم القيامة ، ومن ثم محاسبتهم محاسبة دقيقة وسريعة . كيف يمكن أن يؤمن الشخص بمجموع هذه المسائل ثم لا يراقب أعماله ، يظلم دون وازع ، ويكذب ويفتري ويعتدي على الآخرين ؟ هل يجتمع كل هذا مع الإيمان والاعتقاد على صعيد واحد ؟ * * *
--> 1 - المصدر نفسه ، ج 1 ، ص 298 .