الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

32

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

أفحكم الجاهلية يبغون . . . لكن أهل الإيمان لا يرون أي حكم أرفع وأفضل من حكم الله ، حيث تتابع الآية قولها : ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون . ولقد بينا - عند تفسير الآيات السابقة - أن نوعا من التمايز الغريب كان يسود الأوساط اليهودية بحيث لو أن فردا من يهود بني قريظة قتل فردا من يهود بني النضير لتعرض للقصاص ، بينما لو حصل العكس لم يكن ليطبق حكم القصاص في القاتل ، وقد شمل هذا التمايز المقيت - أيضا - حكم الغرامة والدية عند هؤلاء ، فكانوا يأخذون ضعف الدية من جماعة ، ولا يأخذونها من جماعة أخرى ، أو يأخذون أقل من الحد المقرر ، ولذلك استنكر القرآن هذا النوع من التمايز واعتبره من أحكام الجاهلية ، في حين أن الأحكام الإلهية تشمل البشر أجمعين وتطبق دون أي تمايز . وجاء في كتاب " الكافي " عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) أنه قال : " الحكم حكمان : حكم الله ، وحكم الجاهلية ، فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية " ( 1 ) . وهكذا يتضح أن أي مسلم يتبع الأحكام الوضعية ولا يلتزم بالأحكام والقوانين الإلهية السماوية إنما يسير في الحقيقة في طريق الجاهلية . * * *

--> 1 - نور الثقلين ، ج 1 ، ص 640 .