الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
316
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وهو عالم بجريان النسيم في البوادي ومنعطفات الوديان . وهو عالم بعدد خلايا جسم الإنسان وكريات دمه . وهو عالم بكل الحركات الغامضة في الإلكترونات في قلب الذرة . وهو عالم بكل الأفكار التي تمر بتلافيف أدمغتنا حتى أعماق أرواحنا . . . نعم أنه عالم بكل ذلك على حد سواء . لذلك فإنه يؤكد ذلك مرة أخرى فيقول : وما تسقط من ورقة إلا يعلمها . أي أنه يعلم عدد الأوراق ولحظة انفصال كل ورقة عن غصنها وطيرانها في الهواء ، حتى لحظة استقرارها على الأرض ، كل هذا جلي أمام علم الله . كذلك لا تختفي حبة بين طيات التراب إلا ويعلمها الله ويعلم كل تفاصيلها : ولا حبة في ظلمات الأرض . التركيز هنا - في الحقيقة - على نقطتين حساستين لا يمكن أن يتوصل إليهما الإنسان حتى لو أمضى ملايين السنين من عمره يرتقي سلم الكمال في صنع أجهزته وأدواته المدهشة . ترى من ذا الذي يستطيع أن يعرف كم تحمل الرياح معها في هبوبها على مختلف أصقاع الأرض في الليل والنهار ، من أنواع البذور المنفصلة عن نباتاتها ؟ وإلى أين تحملها وتنشرها ، أو تدسها في التراب حيث تبقى سنوات مختفية ، حتى يتهيأ لها الماء فتنبت وتنمو ؟ من ذا الذي يعلم كم من هذه البذور في كل أنحاء الدنيا تحمل عن طريق الإنسان أو الحشرات في كل ساعة من نقطة إلى نقطة أخرى ؟ أي دماغ الكتروني هذا الذي يستطيع أن يحصي عدد أوراق الشجر التي تسقط كل يوم من أشجار الغابات ؟ انظر إلى غابة من الغابات في الخريف ، وخاصة بعد مطر شديد أو ريح عاصفة ، وتطلع إلى مشهد سقوط الأوراق