الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
302
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
3 مكافحة التفكير الطبقي : في هذه الآية إشارة إلى واحد من احتجاجات المشركين ، وهو أنهم كانوا يريدون من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يقر ببعض الامتيازات لطبقة الأغنياء ويفضلهم على طبقة الفقراء ، إذ كانوا يرون في جلوسهم مع الفقراء من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) منقصة لهم أي منقصة ! مع أن الإسلام كان قد جاء للقضاء على مثل هذه الامتيازات الزائفة الجوفاء ، كانوا يصرون على هذا الطلب في طرد أولئك عنه ، غير أن القرآن رد هذا الطلب مستندا إلى أدلة حية ، فيقول : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداوة والعشي يريدون وجهه ( 1 ) . ومما يلفت النظر أن القرآن لم يشر إلى هؤلاء الأشخاص إشارة خاصة ، بل اكتفى بصفتهم البارزة وهي أنهم يذكرون الله صباح مساء ، أي دائما ، وان ذكرهم الله هذا ليس فيه رياء ، بل هو لذات الله وحده ، فهم يريدونه وحده ويبحثون عنه ، وليس ثمة امتياز اسمى من هذا . يتبين من آيات قرآنية مختلفة أن هذا لم يكن أول طلب من نوعه يتقدم به هؤلاء المشركون الأغنياء المتكبرون إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، بل لقد تكرر اعتراضهم على النبي بشأن اجتماع الفقراء حوله ، ومطالبتهم إياه بطردهم . في الحقيقة كان هؤلاء يستندون في طلبهم ذاك إلى سنة قديمة خاطئة تقيم المرء على أساس ثروته ، وكانوا يعتقدون أن المعايير الطبقية القائمة على أساس الثروة يجب أن تبقى محفوظة ، ويرفضون كل دعوة تستهدف إلغاء هذه القيم والمعايير . في سيرة النبي نوح ( عليه السلام ) نرى أن أشراف زمانه كانوا يقولون له : وما نراك
--> 1 - معنى " الوجه " في اللغة معروف ، ولكن الكلمة قد تعني " الذات " كما في هذه الآية ، وهناك شرح أوفى لذلك في المجلد الثاني من هذا التفسير .