الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
286
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون . أما كان من الأجدر بهؤلاء أن يستيقظوا عندما جاءهم البأس وأحاطت بهم الشدائد ؟ ! فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا أنهم لم يستيقظوا ، ولذلك سببان : الأول : إنهم لكثرة آثامهم وعنادهم في الشرك زايلت الرحمة قلوبهم والليونة أرواحهم : ولكن قست قلوبهم والثاني : إن الشيطان قد استغل عبادتهم أهواءهم فزين في نظرهم أعمالهم ، فكل قبيح ارتكبوه أظهره لهم جميلا ، ولكل خطأ فعلوه جعله في عيونهم صوابا : وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون . ثم تذكر الآية الثانية أنه لما لم تنفع معهم تلك المصائب والمشاكل والضغوط عاملهم الله تعالى بالعطف والرحمة ، ففتح عليهم أبواب أنواع النعم ، لعلهم يستيقظون ويلتفتون إلى خالقهم الذي وهب لهم كل تلك النعم ، ويشخصوا الطريق السوي : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ . إلا أن هذه النعم كانت في الواقع ذات طابع مزدوج ، فهي مظهر من مظاهر المحبة التي تستهدف إيقاظ النائمين ، وهي كذلك مقدمة لنزول العذاب الأليم إذا استمرت الغفلة ، والذي ينغمس في النعمة والرفاهية ، يشتد عليه الأمر حين تؤخذ منه هذه النعم فجأة ، بينما لو أخذت منه بالتدريج ، فلا يكون وقع ذلك عليه شديدا ، ولهذا يقول إننا أعطيناهم الكثير من النعم حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ( 1 ) . وهكذا استؤصلت جذور أولئك الظلمة وانقطع نسلهم : فقطع دابر القوم
--> 1 - " الإبلاس " الحزن المعترض من شدة التألم بسبب كثرة المنغصات المؤلمة ، ومنها اشتقت كلمة " إبليس " ، وهي هنا تدل على شدة الغم والهم اللذين يصيبان المذنبين يومئذ .