الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
268
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ولكنها أمور تقال للتذكير . على الرغم من أن هذه الآية من الآيات التي تنفي الإجبار والإكراه ، فإن بعض المفسرين كالرازي ، يعتبرها من الأدلة على " الجبر " ويستند إلى ولو شاء . . . ويقول : يتضح من هذه الآية أن الله لا يريد للكفار أن يؤمنوا ! ولكنه غفل عن أن الإرادة والمشيئة في هذه الآية هما الإجباريتان ، أي أن الله لا يريد الناس أن يؤمنوا بالإجبار والإكراه ، بل يريدهم أن يؤمنوا باختيارهم وإرادتهم ، وعليه فان هذه الآية دليل قاطع يدحض مقولة " الجبريين " . في الآية التي تليها استكمال لما سبق ومزيد من المواساة للرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فتقول الآية إنما يستجيب الذين يسمعون . أما الذين هم في الواقع أشبه بالأموات فأنهم لا يؤمنون حتى يبعثهم الله يوم القيامة : والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون ( 1 ) . يومئذ ، وبعد أن يروا مشاهد يوم القيامة يؤمنون ، إلا أن إيمانهم ذاك لا ينفعهم شيئا ، لأن رؤية مناظر يوم القيامة العظيمة تحمل كل مشاهد على الإيمان فيكون نوعا من الإيمان الاضطراري . ومن نافلة القول أن " الموتى " في هذه الآية لا تشير إلى الموت الجسماني في الأفراد ، بل الموت المعنوي ، فالحياة والموت نوعان : حياة وموت عضويان ، وحياة وموت معنويان ، كذلك أيضا السمع والبصر ، عضويان ومعنويان فكثير ما نصف المبصرين السامعين الأحياء الذين لا يدركون الحقائق بأنهم عمي أو صم أو حتى أموات ، إذ إن رد الفعل الذي يصدر عادة من الإنسان الحي البصير السامع إزاء الحقائق لا يصدر من هؤلاء . أمثال هذه التعبيرات كثيرة في القرآن ، ولها عذوبة ، وجاذبية خاصة ، بل إن
--> 1 - من حيث الاعراب " الموتى " مبتدأ ، و " يبعثهم الله " خبر ، ومعنى ذلك هو أن هؤلاء لا يطرأ على حالهم أي تغيير حتى يبعثهم الله يوم القيامة فيرون الحقائق .