الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

263

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

حصلت مشكلة فأنا المقصود بها ، لا أنت " وبهذا يسعى إلى مواساة صاحبه والتهوين عليه . ثمة مفسرون يرون للآية تفسيرا آخر ، لكن ظاهر الآية هو هذا الذي قلناه ، ولكن لا بأس من معرفة هذا الاحتمال القائل بأن معنى الآية هو : إن الذين يعارضونك هم في الحقيقة مؤمنون بصدقك ولا يشكون في صحة دعوتك ، ولكن الخوف من تعرض مصالحهم للخطر هو الذي يمنعهم من الرضوخ للحق ، أو أن الذي يحول بينهم وبين التسليم هو التعصب والعناد . يتبين من كتب السيرة أن الجاهليين - بما فيهم أشد المعارضين للدعوة - كانوا يعتقدون في أعماقهم بصدق الدعوة ، ومن ذلك ما روي أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لقي أبا جهل فصافحه أبو جهل ، فقيل له في ذلك ، فقال : والله إني لأعلم أنه صادق ، ولكنا متى كنا تبعا لعبد مناف ! ( أي أن قبول دعوته سيضطرنا إلى اتباع قبيلته ) . وورد في كتب السيرة أن أبا جهل جاء في ليلة متخفيا يستمع قراءة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، كما جاء في الوقت نفسه أبو سفيان والأخنس بن شريق ، ولا يشعر أحد منهم بالآخر فاستمعوا إلى الصباح ، فلما فضحهم الصبح تفرقوا ، فجمعتهم الطريق ، فقال كل منهم للآخر ما جاء به ، ثم تعاهدوا أن لا يعودوا ، لما يخافون من علم شبان قريش بهم لئلا يفتتنوا بمجيئهم ، فلما كانت الليلة الثانية جاء كل منهم ظانا أن صاحبيه لا يجيئان لما سبق من العهود ، فلما أصبحوا جمعتهم الطريق مرة ثانية فتلاوموا ، ثم تعاهدوا أن لا يعودوا ، فلما كانت اللية الثالثة جاؤوا أيضا ، فلما أصبحوا تعاهدوا أن لا يعودا لمثلها ، ثم تفرقوا فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته ، فقال : أخبرني - يا أبا حنظلة - عن رأيك فيما سمعت من محمد ؟ قال : يا أبا ثعلبة ، والله لقد سمعت أشياء أعرفها ، وأعرف ما يراد بها ، وسمعت أشياء ، ما عرفت معناها ولا ما يراد بها . قال الأخنس : وأنا والذي حلفت به .