الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

253

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

تابعا لمدرسة التوحيد ، وإلا فكيف ينهى الآخرين عن مصاحبة المشركين ، ويبقى هو على حبه العميق لأبي طالب ؟ 5 - في الأحاديث التي وصلتنا عن أهل البيت ( عليهم السلام ) أدلة وافرة على إيمان أبي طالب وإخلاصه ، ولا يسع المجال هنا لذكرها ، وهي أحاديث تستند إلى الاستدلال المنطقي والعقلي ، كالحديث المنقول عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) الذي قال - بعد أن سئل عن إيمان أبي طالب وأجاب الإيجاب - : " إن هنا قوما يزعمون أنه كافر . . . واعجبا كل العجب ! أيطعنون على أبي طالب أو على رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقد نهاه الله أن تقر مؤمنة مع كافر في غير آية من القرآن ( أي في أكثر من آية ) ولا يشك أحد أن فاطمة بنت أسد رضي الله تعالى عنها من المؤمنات السابقات ، فإنها لم تزل تحت أبي طالب حتى مات أبو طالب رضي الله عنه " ( 1 ) . 6 - وإذا تركنا كل هذا جانبا ، فإننا قد نشك في كل شئ إلا في حقيقة كون أبي طالب كان على رأس حماة الإسلام ورسول الإسلام ، وكانت حمايته تتعدى الحدود المألوفة بين أبناء العشيرة والعصبيات القبلية ولا يمكن تفسيرها بها . ومن الأمثلة الحية على ذلك حكاية ( شعب أبي طالب ) يجمع المؤرخون على أنه عندما حاصرت قريش النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والمسلمين محاصرة اقتصادية واجتماعية وسياسية شديدة وقطعت علائقها بهم ، ظل أبو طالب الحامي والمدافع الوحيد عنهم مدة ثلاث سنوات ترك فيها كل أعماله ، وسار ببني هاشم إلى واد بين جبال مكة يعرف بشعب أبي طالب فعاشوا فيه ، وقد بلغت تضحياته حدا أنه ، فضلا عن بنائه الأبراج الخاصة للوقوف بوجه أي هجوم قد تشنه قريش عليهم ، كان في كل ليلة يوقظ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من نومه ويأخذه إلى مضجع آخر يعده له ويجعل ابنه الحبيب إليه عليا ( عليه السلام ) في مكانه ، فإذا ما قال له ابنه علي ( عليه السلام ) : يا أبة ، إن هذا سيوردني موارد الهلكة ، أجابه أبو طالب ( عليه السلام ) : ولدي عليك بالصبر ، كل حي إلى ممات ، لقد

--> 1 - كتاب " الحجة " و " الدرجات الرفيعة " نقلا عن " الغدير " ج 8 ، ص 380 .