الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
236
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ولكن " الغلبة " أوسع منها وتشمل النصر على الكائنات غير العاقلة أيضا ( 1 ) . وعليه إذا كانت الآية السابقة تشير إلى شمول قدرة الله إزاء المعبودات الزائفة الأخرى وأصحاب القوة ، فذلك لا يعني أنه مضطر إلى الدخول مدة في صراع مع تلك القوى كي يتغلب عليها ، بل يعني أن قدرته قاهرة ، وقد جاء تعبير فوق عباده لتأكيد هذا المعنى . وعلى هذا ، كيف يمكن لإنسان واع أن يعرض عن رب العالمين ويتجه إلى كائنات وأشخاص لا يملكون بذواتهم أية قدرة ، وما يملكونه من قوة زهيدة إنما مصدرها الله أيضا . ولإزالة كل وهم قد يخطر لأحدهم بأن الله قد يسئ استعمال قدرته غير المتناهية كما هو الحال في ذوي القدرة من البشر ، يقول القرآن : وهو الحكيم الخبير أي أنه صاحب حكمة وكل أعماله محسوبة ، لأنه خبير وعالم ولا يخطئ في استعمال قدرته أبدا . ونقرأ في حالات " فرعون " أنه عندما هدد بقتل بني إسرائيل ، قال : وإنا فوقهم قاهرون ( 2 ) أي أنه اتخذ من قدرته القاهرة - وإن تكن ضعيفة - وسيلة للظلم وغمط حقوق الآخرين ، إلا أن الله الحكيم الخبير بتلك القدرة القاهرة منزه عن أن يظلم حتى أصغر مخلوقاته . ومن نافلة القول أن تعبير فوق عباده هو التفوق في المقام لا في المكان ، إذ ليس لله مكان محدد . ومن العجيب جدا أن بعض ذوي العقول المتحجرة اتخذ من هذه الآية دليلا على تجسيم الله سبحانه ، على الرغم من عدم وجود أي شك في أن هذا التعبير معنوي يدل على تفوق الله من حيث القدرة على عبيده وحتى فرعون - مع كونه
--> 1 - تفسير " الميزان " ، ج 7 ، ص 34 . 2 - الأعراف ، 127 .