الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
222
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ( 1 ) . يتضح مما قلنا أن جملة لجعلناه رجلا لا تعني : أننا سنجعله على هيئة انسان ، كما تصور بعض المفسرين ، بل تعني : أننا نجعله على هيئة البشر في الصفات الظاهرية والباطنية ، ثم يستنتج من ذلك أنهم - في هذه الحالة أيضا - كانوا سيعترضون الاعتراض نفسه ، وهو : لماذا أوكل الله مهمة القيادة إلى بشر وأخفى عنا وجه الحقيقة : وللبسنا عليهم ما يلبسون . " اللبس " بمعنى خلط الأمر وجعله مشتبها بغيره خافيا ، و " اللبس " بمعنى ارتداء اللباس ، ومن الواضح أن الآية تقصد المعنى الأول ، أي أننا لو أردنا أن نرسل ملكا لوجب أن يكون في صورة الإنسان وسلوكه ، وفي هذه الحالة سيعتقدون أننا خلطنا الأمر على الناس وأوقعناهم في الاشتباه ، ولكانوا يشكلون علينا الإشكالات السابقة ، بمثل ما يوقعون الجهلة من الناس في الخطأ والاشتباه ويلبسون وجه الحقيقة عنهم ، وعليه فإن نسبة " اللبس " والإخفاء إلى الله إنما هي من وجهة نظرهم الخاصة . وفي الختام يهون الأمر على رسوله ويقولون له : ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤون . هذه الآية في الواقع تسلية لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يطلب الله فيها منه أن لا تزعزعه الزعازع ، ويهدد في الوقت نفسه المخالفين والمعاندين ويطلب منهم أن يتفكروا في عاقبة أمرهم المؤلمة ( 2 ) . * * *
--> 1 - الضمير " جعلناه " يمكن أن يعود على الرسول ، أو على من يرسل معه لإعانته على تثبيت النبوة وعلى الاحتمال الثاني يكون اقتراحهم قد تحقق ، وعلى الأول قد تحقق أكثر مما طلبوه . 2 - " حاق " بمعنى أحاط به وحل به ، و " ما كانوا به يستهزئون " أي ما كانوا يستهزئون به من تهديد وإنذار يسمعونه من أنبياء الله مثل إنذار نوح وقومه بوقوع الطوفان ، فكان قومه من عبدة الأصنام يسخرون من ذلك . وعليه فلا ضرورة لتقدير كلمة " جزاء " كما يقول بعضهم ، إذ يكون المعنى : العقوبات التي كانوا يستهزئون بها حلت بهم .