الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
216
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الأنهار تجري من تحتهم . ولكنهم لما استمروا على طريق الطغيان ، لم تستطع هذه الإمكانات إنقاذهم من العقاب الإلهي : فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين . أفلا ينبغي أن يكون علمهم بمصائر الماضين عبرة لهم ، توقظهم من نوم غفلتهم ، ومن سكرتهم ؟ أليس الله الذي أهلك السابقين بقادر على أن يهلك هؤلاء أيضا ؟ ها هنا بضع نقاط نلفت إليها الانتباه : 1 - على الرغم من أن " قرن " تعني فترة طويلة من الزمن ( مئة ، أو سبعين أو ثلاثين سنة ) ، ولكنها قد تعني أيضا - كما يقول اللغويون - القوم والجماعة في زمان معين ( القرن من الاقتران بمعنى التقارب ، وبالنظر لأن أهل العصر الواحد أو العصور المتقاربة قريبون من بعضهم فقد يطلق عليهم وعلى زمانهم اسم القرن ) . 2 - يتكرر في القرآن القول بأن الإمكانات المادية الكثيرة تبعث على الغرور والغفلة لدى ضعفاء النفس من الناس كقوله تعالى : إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ( 1 ) لأنهم بتوفر تلك الإمكانات عندهم يرون أنفسهم في غنى عن الله ، غافلين عن العناية الإلهية والإمدادات الربانية المغدقة عليهم في كل لحظة وثانية ، ولولاها لما استمروا على قيد الحياة . 3 - ليس هذا التحذير مختصا بعبدة الأصنام ، فالقرآن يخاطب - أيضا - اليوم العالم الصناعي الثري الذي أثملته الإمكانات المادية وملأته بالغرور ، ويحذره من نسيان الأقوام السابقة ومما حاق بهم نتيجة ما ارتكبوه من ذنوب ، وكأني بالقرآن يقول للمغرورين في عالمنا اليوم : إنكم ستفقدون كل شئ بانطلاق شرارة حرب عالمية أخرى ، لتعودوا إلى عصر ما قبل التمدن الصناعي اعلموا أن سبب تعاسة أولئك لم يكن شيئا سوى إثمهم وظلمهم واضطهادهم الناس وعدم إيمانهم
--> 1 - العلق ، 6 و 7 .