الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

214

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وحتى لو تدفق ينبوع الماء الزلال عند عتبات بيوتهم لأعرضوا عنه ولما نظروا إليه . . . وكذلك فهم يعرضون عن آيات " ربهم " النازلة لتربيتهم وتكاملهم . مثل هذه النفسية لا يقتصر وجودها على عهود الجاهلية ومشركي العرب ، فاليوم أيضا نجد من بلغ الستين من عمره ومع ذلك لم يجشم نفسه عناء ساعة واحدة من البحث والتحقيق في الله والدين ، وإن وقع بيده كتاب أو بحث في هذا الموضوع لم ينظر إليه ، وإن تحدث إليه أحد بهذا الشأن لم يصغ إليه ، هؤلاء هم الجهلاء المعاندون الغافلون الذين قد يظهرون أحيانا أمام الناس بمظهر العالم المتجبر ! ثم تشير الآية إلى نتيجة أعمالهم ، وهي : أنهم عندما رأوا الحقيقة كذبوها ، ولو أنهم دققوا في آيات الله جيدا لرأوا الحقيقة وأدركوها وآمنوا بها : فقد كذبوا بالحق لما جاءهم ، ولسوف تصلهم نتيجة هذا التكذيب والسخرية : فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون . في هاتين الآيتين إشارة إلى ثلاث مراحل من الكفر تتزايد في الشدة على التوالي ، المرحلة الأولى هي مرحلة الإعراض ، ثم مرحلة التكذيب ، وأخيرا مرحلة الاستهزاء بآيات الله . يدل هذا على أن الإنسان في كفره لا يتوقف في مرحلة واحدة ، بل يزداد باستمرار إنكارا للحق وعداوة له وابتعادا عن الله . المقصود من التهديد المذكور في آخر الآية أن أوزار عدم الإيمان ستحيق بهم عاجلا أو آجلا في الدنيا والآخرة ، والآيات التالية تؤكد هذا التفسير . * * *