الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
192
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ولكن العجيب أن بعض المفسرين يشكون في نزول المائدة ، ويقولون : أن الحواريين حين عرفوا عظم المسؤولية التي سوف تقع عليهم بعد نزول المائدة ، تخلوا عن طلبهم ، ولكن الواقع أن المائدة قد نزلت فعلا . 5 - ما العيد ؟ " العيد " في اللغة من " العود " أي الرجوع ، لذلك فذكرى الأيام التي تنداح فيها المشاكل عن قوم أو مجتمع وتعود أيام الفوز والهناء الأول تكون عيدا . كذلك هي الأعياد الإسلامية فبعد شهر من طاعة الله في صوم رمضان ، أو بعد أداء فريضة الحج العظيمة ، يعود إلى النفس طهرها وصفاؤها الأولين الفطريين ، ويزول التلوث عن الفطرة ، فيكون العيد ، ولما كان يوم نزول المائدة يوم العودة إلى الفوز والطهارة والإيمان بالله ، فقد سماه المسيح ( عليه السلام ) عيدا . وقد ورد في الأخبار أن نزول المائدة كان في يوم الأحد ، ولعل هذا هو سبب الاحترام الذي يكنه المسيحيون لهذا اليوم . إننا نقرأ لأمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) قوله : " وكل يوم لا يعصى الله فيه فهو يوم عيد " ( 1 ) . وفي هذا إشارة إلى الموضوع نفسه ، لأن يوم ترك المعصية هو يوم فوز وطهارة وعودة إلى الفطرة الأولى . 6 - لماذا العقاب الشديد ؟ هنا أمر مهم ينبغي ألا نغفل عنه ، وذلك أنه عندما يبلغ الإيمان مرحلة الشهود وعين اليقين أي عندما ترى الحقيقة رأي العين ، ولا يبقى مكان لأي شك أو تردد ، فإن مسؤولية المرء تزداد وتثقل ، لأن هذا المرء لم يعد ذلك الذي كانت تنتابه الوساوس والشكوك من قبل ، بل هو امرؤ ورد مرحلة جديدة من الإيمان وتحمل المسؤولية ، فأقل تقصير أو غفلة من جانبه يستدعي العقاب الشديد ، ولهذا فإن مسؤولية الأنبياء وأولياء الله أشد وأثقل ، بحيث أنهم كانوا في خشية دائمة منها ،
--> 1 - نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، الكلمة 428 .