الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
190
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ونكون عليها من الشاهدين . فبينوا قصدهم أنهم طلبوا المائدة للطعام ، ولتطمئن قلوبهم به لما سيكون لهذا الطعام الإلهي من أثر في الروح ومن زيادة في الثقة واليقين . ولما أدرك عيسى ( عليه السلام ) حسن نيتهم في طلبهم ذاك ، عرض الأمر على الله : قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين . من الواضح هنا أن الأسلوب الذي عرض به عيسى بن مريم الأمر على الله كان أليق وأنسب ، ويحكي عن روح البحث عن الحقيقة ورعاية الشؤون العامة للمجتمع . فاستجاب الله لهذا الطلب الصادر عن حسن نية وإخلاص ، قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين . فبعد نزول المائدة تزداد مسؤوليات هؤلاء وتقوى الحجة عليهم ، ولذلك فإن العقاب سيزداد أيضا في حالة الكفر والانحراف . ملاحظات : هنا لابد من التحقيق في عدة نقاط من هذه الآيات الكريمة : 1 - ما القصد من طلب المائدة ؟ لاشك أن الحواريين لم يكونوا مدفوعين بقصد سئ في طلبهم هذا ، ولا هم كانوا يريدون المشاكسة والمعاندة ، بل كانوا يرغبون في بلوغ مرحلة الاطمئنان الأقوى وإبعاد ما بقي من رواسب الشك والوسوسة من أعماقهم ، فكثيرا ما يحدث أن انسانا يتأكد من أمر بالمنطق وحتى بالتجربة ، ولكن إذا كان الأمر مهما جدا فإن بقايا من الشك والتردد تظل في ثنايا قلبه ، لذلك فهو شديد الرغبة في أن تتكرر تجاربه واختباراته ، أو أن تتبدل استدلالاته المنطقية والعلمية إلى