الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
140
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
هذه الآفة من جذورها ، وهي العادة التي كانت قد تأصلت في نفوسهم وعروقهم ، ففي أول الأمر وردت إشارات في الآيات المكية تستقبح شرب الخمر ، كما في الآية ( 67 ) من سورة النحل : ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا . فهنا " سكر " وتعني الشراب المسكر الذي كانوا يستخرجونه من التمر والعنب ، قد وضع في قبال الرزق الحسن ، فاعتبره شرابا غير طيب بخلاف الرزق الحسن ، إلا أن تلك العادة الخبيثة - عادة معاقرة الخمرة - كانت أعمق من أن تستأصل بهذه الإشارات ، ثم أن الخمر كانت تؤلف جانبا من دخلهم الاقتصادي لذلك ، عندما هاجر المسلمون إلى المدينة وأسسوا أولى الحكومات الإسلامية ، نزلت آية ثانية أشد في تحريم الخمر من الأولى ، لكي تهيئ الأذهان أكثر إلى التحريم النهائي ، تلك هي الآية ( 219 ) من سورة البقرة : يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما . فها هنا إشارة إلى منافع الخمر الاقتصادية لبعض المجتمعات ، كالمجتمع الجاهلي ، مصحوبة بإشارة إلى أخطارها الكبيرة ومضارها التي تفوق كثيرا منافعها الاقتصادية . ثم في الآية ( 43 ) من سورة النساء : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون يأمر الله المسلمين أمرا صريحا بأن لا يقيموا الصلاة وهم سكارى حتى دركوا ما يقولونه أمام الله . واضح أن هذا لم يكن يعني أن شرب الخمر في غير الصلاة جايز ، بل هي مسألة التدرج في تحريم الخمر مرحلة مرحلة ، أي أن هذه الآية كأنها تلتزم الصمت ولا تقول شيئا صراحة في غير مواقع الصلاة . إن تقدم المسلمين في التعرف على أحكام الإسلام واستعدادهم الفكري لاستئصال هذه المفسدة الاجتماعية الكبيرة التي كانت متعمقة في نفوسهم ، أصبحا