الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

110

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

المسيح ( عليه السلام ) نفسه يعلن صراحة لبني إسرائيل : يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم وبهذا يستنكر كل لون من ألوان الشرك ، ويفرض الغلو في شخصه ، ويعتبر نفسه مخلوقا كسائر مخلوقات الله . ولكي يشدد المسيح التوكيد على هذا الأمر ، وليزيل كل إبهام وخطأ ، يضيف قائلا : إن من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار . ويمضي في التوكيد وإثبات أن الشرك والغلو ضرب من الظلم الواضح ، فيقول أيضا : وما للظالمين من أنصار . سبق أن أشرنا إلى أن تاريخ المسيحية يؤكد بأن التثليث لم يكن معروفا في القرون الأولى من المسيحية ، ولا حتى على عهد المسيح ( عليه السلام ) ، بل أن الأناجيل الموجودة - على الرغم من كل ما فيها من تحريفات وإضافات - ليس فيها أدنى إشارة إلى التثليث ، وهذا ما يعترف به المحققون المسيحيون أنفسهم ، وعليه فإن ما ورد في الآية المذكورة عن إصرار المسيح ( عليه السلام ) على مسألة التوحيد إنما ينسجم مع المصادر المسيحية الموجودة ، ويعتبر من دلائل عظمة القرآن ( 1 ) . وينبغي الالتفات إلى أن الموضوع الذي تتناوله الآية هو الغلو ووحدة المسيح بالله ، أو بعبارة أخرى ، هو " التوحيد في التثليث " ، ولكن الآية التالية تشير إلى مسألة " تعدد الآلهة " في نظر المسيحيين ، أي " التثليث في التوحيد " ، وتقول : إن الذين قالوا أن الله ثالث الأقانيم ( 2 ) الثلاثة لا ريب أنهم كافرون : لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة . إعتقد كثير من المفسرين ، ومنهم الطبرسي في " مجمع البيان " ، والشيخ الطوسي في " التبيان " ، والفخر الرازي والقرطبي في تفسيريهما ، أن الآية السابقة تشير إلى فرقة من المسيحيين باسم " اليعاقبة " يعتقدون أن الله متحد بالمسيح ( عليه السلام ) ،

--> 1 - للمزيد من توضيح التثليث والوحدة في التثليث أنظر المجلد الثالث من هذا التفسير . 2 - " الأقنوم " بمعنى الأصل والذات ، جمعها " أقانيم " .