مؤسسة آل البيت ( ع )
35
مجلة تراثنا
ولقد جهد المعتزلة الفصل بين المقولتين ، والحكم بعدم الملازمة بينهما : قال القاضي عبد الجبار : فإن قيل : أليس عندكم أنه تعالى : " شئ لا كالأشياء " وقادر لا كالقادرين ، وعالم لا كالعالمين ، فهلا جاز أن يكون " جسما لا كالأجسام " ؟ قيل له : إن " الشئ " اسم يقع على ما يصح أن يعلم ويخبر عنه ، ويتناول المتماثل والمختلف والمتضاد ، لهذا يقال في السواد والبياض : أنهما " شيئان " متضادان ، فإذا قلنا : إنه تعالى " شئ لا كالأشياء " فلا يتناقض كلامنا ، لأنا لم نثبت بأول كلامنا ما نفيناه بآخره ، وكذا إذا قلنا : إنه تعالى قادر لا كالقادرين ، وعالم لا كالعالمين ، فالمراد به أنه قادر لذاته ، وعالم لذاته ، وغيره قادر لمعنى ، وعالم لمعنى . وليس كذلك ما ذكرتموه ، لأن الجسم هو : ما يكون طويلا عريضا عميقا ، فإذا قلتم : إنه " جسم " فقد أثبتم له الطول والعرض والعمق ، ثم إذا قلتم : " لا كالأجسام " فكأنكم قلتم : ليس بطويل ولا عريض ولا عميق ، فقد نفيتم آخرا ما أثبتموه أولا ، وهذا هو حد المناقضة ، ففارق أحدهما الآخر ( 87 ) . وقد ذكر الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريده مثل هذا الكلام بعينه ، وأضاف . وإذا كان قد قام الدليل على أنه ليس " جسما " فلا يصح القول : إنه " جسم لا كالأجسام " لأن حكم الأجسام واحد ( 88 ) . والجواب : إن " الجسم " عند هشام وفي مصطلحه ، وعند من يطلق مقولة " جسم لا كالأجسام " على البارئ تعالى ، هو بمعنى " الشئ " وليس بمعنى " ما له الطول والعرض والعمق " كما فرضه المعتزلة حتى يرد عليه ما ذكروه ، فكلامهم هذا كله خروج عن مصطلح هشام . وإذا كان " الجسم " بمعنى " الشئ " فكما يصح إطلاق مقولة : " شئ لا
--> ( 87 ) شرح الأصول الخمسة : 221 . ( 88 ) في التوحيد ، تكملة ديوان الأصول : 596 .