مؤسسة آل البيت ( ع )

121

مجلة تراثنا

إلا كقولنا نحن : صار المفعول فاعلا ) ( 45 ) . وهذا النوع من الاستنكار لمماحكة من يحاورك ، يمكن أن يصدر عن أي عربي ألف طرائق لغته ، فإذا استوضحته ، أو غالطته بها ، فهو يدرك بسليقته ومخزون ما ألفه من كلام قومه : كيف ينطق هنا ، وكيف ينطق هناك ، بل حتى الأطفال في سن الرابعة يدركون ( اختلاف جهات الكلام ) وإن لم يدركوا لماذا اختلفت . . . يؤيد ذلك ما سبق لابن جني - في موضع آخر - من أنه سأل صاحبه الشجري هذا : ( كيف تجمع ( دكانا ) ؟ فقال : دكاكين ، قلت : فسرحانا ؟ قال : سراحين . قلت : فقرطانا ؟ قال : قراطين ، قلت : فعثمان ؟ قال : عثمانون ، فقلت له : هلا قلت أيضا : ( عثامين ) ؟ قال : أيش عثامين ! أرأيت إنسانا يتكلم بما ليس من لغته ، والله لا أقولها أبدا ) ( 46 ) . فأنت تجد أن الرجل يعلل اختلاف الجمع هنا وهناك ، بعادته اللغوية فقط ، وأن الإنسان لا يتكلم بما ليس من لغته ، ولكن هذا ليس إدراكا للعلة القياسية ، ولا تنصيصا عليها ، بل ولا ( في معنى : صار المفعول فاعلا ) - كما يقول ذلك - لأن ابن جني لو لم يغالط صاحبه : ( ألست زعمت أن تقول ( أخوك أبدا ) لما كان بحاجة لأن يلتفت إلى اختلاف جهتي الكلام . والمفروض أن النصوص العربية التي استقراها الخليل وأصحابه ليستنبطوا قواعدهم منها ، كانت خالية من هذا الظرف المغالط الذي وضع ابن جني صاحبه فيه ، فكيف ينصون على الجهات التي من أجلها رفعوا ونصبوا ، أو اشتقوا وصرفوا ! ! وقد كان الخليل أقرب إلى واقع القضية مما ادعاه ابن جني لها ، وأنت تعرف أن موضع الخليل من النحو كموضع الشافعي من أصول الفقه ويعتبره ابن جني ( كاشف قناع القياس في علمه ) ( 47 ) وهو بعد ذلك أقدم عهدا وأكثر صلة بالعرب الذين يحتج بأقوالهم من كل هؤلاء ، يقول الخليل - حين

--> ( 45 ) الخصائص 1 / 250 . ( 46 ) الخصائص 1 / 242 . ( 47 ) الخصائص 1 / 361 .