مؤسسة آل البيت ( ع )
117
مجلة تراثنا
فيما يتكلمون به ، حتى إذا ألفوا حركة ألسنتهم ونطق أصواتهم ، وترسخت في أذهانهم طريقتهم في صياغة الأسماء والأفعال والأوصاف ، وفي التذكير والتأنيث وتأليف الجمل وأساليبها ، نراهم يعودون إلى هذا المخزون الذي ألفوه فيركبون جملا من مفردات لعل آباءهم لم يسمعوا بها من قبل ، وتكون جملهم الجديدة صحيحة في العادة ، وما ذلك إلا نتيجة ( عملية قياسية ) عفوية . فالقياس إذن أقرب إلى واقع اللغة منه إلى واقع الشريعة . ولكن الذي يؤخذ على النحاة أنهم لم يبذلوا جهدا في تأصيل هذا القياس ، بل في أصولهم النحوية عموما ، كما بذل الفقهاء جهدهم في تأصيل قياسهم وأصولهم الفقهية . ونظرة تاريخية لما حدث من تطور في تأصيل القياس عند الطرفين ، نجد أنه حين نشأ عند الفقهاء في أوائل القرن الثاني ، واختلفت مدارسهم في طريقة الأخذ به ، واضطرب كثيرا بين العراقيين وأهل المدينة ، فاختلط ب ( الرأي ) حينا ، و ( بالاستحسان ) و ( المصلحة المرسلة ) حينا آخر ، وبقي على هذا الاضطراب ، واختلاف المدارس في تطبيقه ، من وفاة إبراهيم النخعي ، رأس مدرسة الرأي بالكوفة ( - 95 ه ) إلى وفاة محمد بن الحسن ( - 189 ه ) تلميذ أبي حنيفة . في آخر هذه الفترة جاء دور الإمام الشافعي ( - 204 ه ) ، وهو نتاج المدرستين معا ، فنقد فقه العراقيين بنفس القوة التي نقد بها فقه أهل المدينة ، ووضع حدا لاضطراب القياس في الفترة السابقة ، وشاعت ( رسالته ) التي بعثه إلى عبد الرحمن بن مهدي ( - 198 ه ) وفيها خطته في أصول الفقه والاعتماد على القياس فقط ، وألف كتبه المعروفة في : ( إبطال الاستحسان ) و ( اختلاف العراقيين ) و ( الرد على محمد بن الحسن ) و ( اختلاف مالك والشافعي ) و ( جماع العلم ) و ( اختلاف الحديث ) وكلها وصلتنا في كتاب ( الأم ) ، وكان من الطبيعي أن يدافع فقهاء الحنفية والمالكية عن مناهج أئمتهم وأصولهم الفقهية ، فبدأ الأحناف في استخراج أصولهم مما تفرق في كتب أبي يوسف ومحمد ابن الحسن ، كما بدأ المالكية يجمعونها من أصول إمامهم في ( الموطأ ) وما روي عنه