مؤسسة آل البيت ( ع )
23
مجلة تراثنا
تفويتا لمعنى مراد أبدا . وقد ظهر من خلال ما ذكرنا أن استدلالهم لمنع الرواية بالمعنى ، بما روي عن الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قوله : " نضر الله عبدا سمع مقالتي وحفظها ووعاها ، وأداها كما سمعها ، فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " ( 26 ) . لا يتم ، وذلك ، لأن رواية المعنى مع مراعاة الشرط المذكور ، أداء لما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلا تفاوت ، فإن الرسول في أكثر حديثه كان بصدد تعليم الأحكام الشرعية ، والسنن والآداب الإسلامية ، ولا ريب أن مهمة أصحابه كانت فهم مقاصده ، ودرك معاني كلامه وإرشاداته ، وإبلاغها إلى من وراءهم ، سعيا في نشرها ، وفي مثل هذه الأحاديث لم يكن للألفاظ دور إلا مهمة أداء المعاني وإيصالها ، ولم ينظر إلى ألفاظ الحديث كعبارات خاصة لها ميزة تعبيرية من بلاغة وفصاحة ، ولا تحتوي على جهات بديعية ، خاصة في أجواء التشريع ، حيث كان المجتمع بحاجة إلى إصلاحات سريعة وعميقة . وبذلك أيضا يرد على من جوز نقل الحديث بالمعنى إلا في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بدعوى : " أنه صلى الله عليه وآله وسلم أفصح من نطق بالضاد ، وفي تراكيبه أسرار ودقائق ، لا يوقف عليها إلا بها كما هي ، لأن لكل تركيب معنى . . . لو لم يراع ذلك لذهبت مقاصدها " ( 27 ) . أقول : أما أحاديث الأحكام والسنن ، فقد عرفت أن الغرض المهم فيها هو إيصال المعاني وإبلاغ المقصود ، من دون نظر خاص إلى الألفاظ . مع أن حديثا ما لو كان محتويا على مثل ذلك كان على الناقل له بالمعنى مراعاته مهما أمكن ونقله ، وإلا لم يكن ناقلا له .
--> ( 26 ) وصول الأخيار : 151 ، والسنة قبل التدوين : 134 . ( 27 ) وصول الأخيار : 156 .