الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

61

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الثانية : إن النجاحات المادية التي يحرزها بعض العصاة والفاسقين إنما هي لكونهم لا يتقيدون في جمع الثروة بأي قيد أو شرط ، فهم يجمعون المال من كل سبيل ، سواء كان مشروعا أم غير مشروع ، حراما كان أم حلالا ، بل إنهم يجوزون لأنفسهم اكتناز الثروة حتى على حساب الضعفاء والفقراء وامتصاص دمائهم ، في حين يتقيد المؤمنون بمبادئ الحق والعدالة في هذا المجال ، فلا يسوغون لأنفسهم بأن يكتسبوا المال من أي طريق كان ، وأي سبيل اتفق ، ولهذا لا يمكن ( أو لا تصح ) المقارنة والمقايسة بين هؤلاء وهؤلاء . هؤلاء يشعرون بالمسؤولية الثقيلة ، وأولئك لا يشعرون بأية مسؤولية ، ولا يعترفون بأي ضابطة ، وحيث إن الحياة الحاضرة حياة الإرادة البشرية الحرة ، وعالم الاختيار الحر ، كان طبيعيا أن يترك الله سبحانه كلتا الطائفتين أحرارا ليتصرفوا كيف شاؤوا ، ولينتهوا في المآل إلى نتائج أعمالهم التي اكتسبوها بأيديهم ، وهو ما يقصده ويعنيه سبحانه ، بقوله في ختام هذه الآية : ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد . 3 معرفة نقاط الضعف والقوة معا : ثم أن هناك سببا آخر لتقدم ونجاح بعض الكفار والفاسقين ، وتأخر بعض المؤمنين هو أن الطائفة الأولى رغم خلوهم من عنصر الإيمان يتحلون - أحيانا - ببعض نقاط القوة التي يحققون في ظلها ما يحققون من المكاسب ، ويحرزون ما يحرزون من النجاحات ، فيما تعاني الطائفة الثانية من نقاط ضعف توجب تأخرهم وانحطاطهم . فنحن نعرف أشخاصا - رغم انقطاعهم عن الله - يتسمون بالجدية الكبيرة في أعمالهم ، ويتحلون بالاستقامة والعزم ، والتنسيق والتعاون فيما بينهم ، والمعرفة بقضايا العصر ومتطلباته ، ومقتضياته ومستجداته ، ومن الطبيعي أن يحقق هؤلاء