الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

453

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى . . . ( 1 ) . والنجوى إذا حصلت إبتدأ في جمع من الناس ، أثارت لديهم سوء الظن حيالها ، حتى أن سوء الظن قد يبدر من الأصدقاء حيال النجوى التي تحصل بينهم ، وعلى هذا الأساس فإن الأفضل أن لا يبادر الإنسان إلى النجوى إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك ، وهذه هي فلسفة هذا الحكم الوارد في القرآن . وبديهي أن سمعة الإنسان تستلزم - أحيانا - اتباع أسلوب النجوى ، ومن جملة هذه الموارد تأتي مسألة الصدقات أو المعونات المالية ، التي أجاز القرآن استخدام النجوى بشأنها لحفظ ماء الوجه وسمعة الأشخاص الذين يتلقون هذه المعونات . والمجال الآخر للنجوى هو عند الأمر بالمعروف ، حيث أن هذا الأمر لو تم أحيانا بصورة علنية لأصبح سببا في فضيحة أو خجل الشخص المخاطب بالمعروف بين الناس الحاضرين ، وقد يصبح سببا في أن يمتنع عن قبول ذلك ويقاوم هذا الأمر الذي عبرت عنه الآية بالمعروف . والحالة الأخرى التي يجوز فيها النجوى هي في مجال الإصلاح بين الناس ، الذي يقتضي أن يكون سريا أحيانا لضمان تحقيقه ، إذ من الممكن لو أن الأمر تم بصورة علنية لحال دون حدوث الإصلاح ، لذلك يجب أن يتم الإصلاح بالتحدث إلى كل طرف من أطراف النزاع بصورة خفية ، أي بطريق النجوى . إذن فالنجوى جائزة وقد تكون ضرورية في الحالات الثلاث التي مر الحديث عنها ، وكذلك في حالات مشابهة . والملفت للنظر في الحالات الثلاث المذكورة أعلاه هو أنها تأتي كلها ضمن معنى " الصدقة " وذلك لأن من يأمر بالمعروف إنما يدفع زكاة علمه ، ومن يسعى في إصلاح ذات البين يدفع بذلك زكاة قدرته ومنزلته المؤثرة في الناس .

--> 1 - المجادلة ، 9 .