الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

416

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الحياتية وفق دينهم الجديد ( الاسلام ) ولم تكن لديهم في هذه الحالة - على ما يبدو - أي قدرة سياسية واجتماعية ، ولكنهم بعد الهجرة شكلوا مباشرة الدولة الإسلامية التي تقدمت بسرعة فائقة - في كل المجالات - ولو أن المسلمين لم يذعنوا لأمر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في اختيار الهجرة وفضلوا البقاء في مكة ، لما تيسر عند ذلك للإسلام أن يمتد خارج حدود مكة ، بل حتى كان من الممكن أن يقبر الإسلام في مكة ويمحى أثره . ويتضح لنا أن الهجرة لم تكن حكما خاصا بزمن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، بل أنها تجب على المسلمين متى ما تعرضوا لظروف مشابهة لتلك الظروف التي اضطرت النبي وأصحابه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى ترك مكة والهجرة إلى المدينة . والقرآن يعتبر الهجرة في الأساس جوهرا لوجود الحرية والرفاه ، وقد أشارت الآية - موضوع البحث - إلى هذا الأمر ، كما أن الآية ( 41 ) من سورة النحل تشير من جانب آخر إلى هذه الحقيقة ، إذ تقول : والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة . وتجدر الإشارة - أيضا - إلى هذه النقطة ، وهي أن الهجرة في نظر الإسلام لا تقتصر على الهجرة المكانية والخارجية ، بل يلزم قبل ذلك أن تتحقق لدى الفرد المسلم هجرة باطنية في نفسه ، يترك بها كل ما ينافي الأصالة والكرامة الإنسانية ، لكي يتيسر له بهذا السبيل إلى الهجرة المكانية - إذن فالهجرة الباطنية ضرورية قبل أن يبدأ الإنسان المسلم هجرته الخارجية - وإذا لم يكن هذا الإنسان بحاجة إلى الهجرة الخارجية ، يكون قد نال درجة المهاجرين بهجرته الباطنية . والأساس في الهجرة هو الفرار من " الظلمات " إلى " النور " ومن الكفر إلى الإيمان ، ومن الخطأ والعصيان إلى إطاعة حكم الله ، لذلك نجد في الحديث ما يدل على أن المهاجرين الذين هاجروا بأجسامهم دون أن تتحقق الهجرة في بواطنهم وأرواحهم ، ليسوا في درجة المهاجرين ، وعلى عكس هؤلاء فإن من تتحقق لديه