الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
408
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
محيطهم الملوث ، فهم مستثنون من حكم العذاب ، لأن هؤلاء معذورون في الحقيقة ، وإن الله لا يكلف نفسا ما لا تطيق ، إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا . والآية الأخيرة من الآيات الثلاث المذكورة تبين احتمال أن يشمل الله بعفوه هؤلاء ، إذ تقول : فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا . وقد يرد هنا سؤال وهو : لو أن هؤلاء الأشخاص كانوا في الحقيقة معذورين ، فلماذا لا تعدهم الآية بعفو إلهي حتمي ، بل تبين احتمال أن يشملهم هذا العفو إذ تأتي الآية بعبارة " عسى " لتأكيد احتمالية الأمر ؟ وجواب هذا السؤال هو نفس الجواب الذي ذكرناه في ذيل الآية ( 84 ) من سورة النساء والذي بينا من خلاله أن القصد من استخدام مثل هذه العبارات هو أن الحكم الوارد في الآية مقيد بشروط خاصة يجب الالتفات إليها ، وهنا يكون الشرط هو أن يتبادر هؤلاء المستضعفون حقيقة إلى الهجرة - دون تردد - حتى ما سنحت لهم فرصة ذلك دون أن يقصروا في هذا الأمر فعند ذلك يشملهم العفو الإلهي . 3 نقاط يجب الالتفات إليها : 1 - استقلال الروح إن الإتيان بكلمة توفى في الآية الشريفة المارة الذكر بدلا من ذكر كلمة " الموت " إنما هو في الحقيقة إشارة إلى أن الموت ليس هو الفناء التام ، بل هو حالة تتلقى فيها الملائكة روح الإنسان ، أي أن الملائكة يقبضون من الإنسان روحه التي هي جوهر وجوده ، فتؤخذ هذه الروح إلى العالم الآخر ، وإن الإتيان بمثل هذه العبارة بصورة متكررة في القرآن الكريم ، يعتبر من أوضح الأدلة القرآنية على قضية وجود الروح وبقائها بعد الموت ، حيث سنتطرق إلى ذلك لدى تفسير