الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
35
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
والثروات الغير المباحة مثل هذه الجاذبية القوية ؟ ؟ كما أنه يستفاد من هذا التعبير أن الناس ما لم يسعوا ويجتهدوا لتخليص أنفسهم وتحريرها من جاذبية هذه العوامل المغرية الخداعة فإنها ستجذبهم نحو نفسها تدريجا ، وسيقعون في أسرها في نهاية المطاف . أما إذا حاولوا من خلال تربية أنفسهم وترويضها ، وتمرينها على مقاومة هذه الجواذب والمغريات وكبح جماحها ، وبلغوا بها إلى مرتبة " النفس المطمئنة " كانوا من الناجين الواقعيين ، الذين يشعرون بالأمن والطمأنينة . ثم يقول سبحانه في نهاية هذه الآية : وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور . وهذه الجملة تكمل البحث السابق وكأنها تقول : إن هذه الحياة مجرد لهو ومتاع تخدع الإنسان من بعيد ، فإذا بلغ إليها الإنسان ونال منها ولمسها عن كثب وجدها - على الأغلب - فراغا في فراغ وخواء في خواء ، وما متاع الغرور إلا هذا . هذا مضافا إلى أن اللذائذ المادية تبدو من بعيد وكأنها خالصة من كل شائبة ، وخالية من كل ما يكدرها ، حتى إذا اقترب إليها الإنسان وجدها ممزوجة بكل ألوان العناء والعذاب ، وهذا جانب آخر من خداع الحياة المادية . كما أن الإنسان ينسى - في أكثر الأحيان - طبيعته الفانية ، ولكنه سرعان ما ينتبه إلى أنها سريعة الزوال ، قابلة للفناء . إن هذه التعابير قد تكررت في القرآن والأحاديث كثيرا ، والهدف منها جميعا شئ واحد هو أن لا يجعل الإنسان هذه الحياة المادية ولذاتها العابرة الفانية الزائلة هدفه الأخير ، ومقصده الوحيد النهائي الذي تكون نتيجته الغرق والإرتطام في شتى ألوان الجريمة والمعصية ، والابتعاد عن الحقيقة وعن التكامل الإنساني ، وأما الانتفاع بالحياة المادية ومواهبها كوسيلة للوصول إلى التكامل الإنساني والمعنوي فليس غير مذموم فقط ، بل هو ضروري وواجب .